وأخرجه مسلم [4، جـ 4، ص 1760 و 2022 ح 2242] بالسند المذكور، وقال: (( سجنتها ) )بدل: (( ربطتها ) ).
وليس بين أيدينا مايشعر بتعيين المتسبب، ولا مايدل على الرواية التي وقع التصرف فيها، وفي هذه الحالة نكون أمام احتمال أن يكون المتصرف هو البخاري، أو مسلمًا، أو شيخهما الذي أخرجا هذا الحديث عنه، وذلك بأن يكون حدث البخاري بلفظ، وحدث مسلمًا بلفظ آخر، بيد أن كلام ابن حجر السابق حول تحري الإمام مسلم ربما أبعد احتمال تسببه المباشر، والله أعلم.
وقد بلغ عدد الأحاديث التي ترجع الفروق فيها إلى الرواية بالمعنى والتصرف في الألفاظ (23) ثلاثة وعشرين حديثًا، ولاشك أن نسبة (23) ثلاثة وعشرين من (177) سبعة وسبعين ومئة حديث ـ مجموعِ الأحاديث التي لم تتطابق ألفاظها ـ نسبة قليلة، مما يجعلنا ننفي بشدة أن يكون التصرف في الألفاظ هو السبب الأوحد لكل الفروق والمغايرات بين ألفاظ الصحيحين.
قد يختصر أحد الشيخين الحديث الذي أخرجاه من طريق واحد، فيقتصر على رواية بعضه، ويرويه الآخر تامًا، فيحصل تفاوت بين الروايتين طولًا وقصرًا، ويكون هذا بسبب الاختصار.
وللعلماء في جواز اختصار الحديث أقوال: فمنهم من منعه مطلقًا، ومنهم من أجازه مطلقًا، ومنهم من شرط لجوازه أن يكون مرويًا بتمامه في موضع آخر عنده أو عند غيره.
قال ابن الصلاح [15، ص 190] : (( والصحيح التفصيل، وأنه يجوز ذلك من العالم العارف إذا كان ماتركه متميزًا عما نقله غيرَ متعلق به، بحيث لايختل البيان ولا تختلف الدلالة فيما نقله بترك ماتركه ) ).
وقد وقع في كتاب البخاري اختصار لبعض الأحاديث التي رواها مسلم تامة، كما وقع في كتاب مسلم اختصار لبعض الأحاديث التي رواها البخاري تامة، مما يدل على أن الاختصار للأحاديث ليس خاصًا بالبخاري، وإن كان في كتابه أكثر منه في كتاب مسلم.
مثال الاختصار عند البخاري: قوله [3، جـ 1، ص 667، ح 469] : حدثنا قتيبة، حدثنا الليث، عن سعيد بن أبي سعيد، أنه سمع أبا هريرة يقول: بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم خيلًا قِبَل نجد، فجاءت برجل من بني حنيفة يقال له: ثُمامة بن أُثال، فربطوه بسارية من سواري المسجد.