وكأن الأبيض نصف إله
وكأن الأسود نصف بشر.59
إلى هنا، والبيتان قد يحملان دلالة الرفض والاستهجان، إذ يجعل الأبيض في مرتبة سامية، ويمنح الأسود منزلة وضيعة، فالأول يتعلّى ويترفع، والآخر ينحدر ويتدنى؛ وبذلك تُصاغ تراتبية مثيرة دلاليًا؛ فالأبيض تجاوز غيره من البشر؛ ليعلو عليهم، ويتنزّل منزلة مميزة؛ تجلّت في استطاعته التدخل في وجود الإنسان الأسود، وتصريف وجوه هذا الوجود، ويقابله الإنسان الأسود الذي تدنّى في مراتب المخلوقات، فلم يعد بشرًا، بل نصف بشر، ونؤكد على قولنا (يعد) بدلًا من فعل الكينونة (يكن) ؛ لنشدد مرة أخرى على أن حالة الفرق العرقي وُجدت وشعر بها الإنسان الأسود فقط عندما حضر الإنسان الأبيض العنصري واقتحم عليه مجال وجوده.
يُعيد محمد الفيتوري، وهو يتحسس مأساة العنصرية والتميز العرقي، ترتيب الوجود البشري، وقد دفعه إلى ذلك وجعه الذي يحس وهو الشاعر أمام ممارسات الفرز العرقي؛ فأعلى، غاضبًا، من منزلة عرق حتى تجاوز بها المرتبة التي أرادها الله تعالى لها، والشيء نفسه كان منه مع الإنسان الأسود الذي أنزله منزلة دون باقي البشر؛ يحتفظ فقط بشيء من المشترك البشري، وليبحث، من ثم، عن كائنات أخرى مختلفة يشبهها.
مرتبة الأبيض، ومنزلة الأسود، وفق التراتبية التي صاغها الفيتوري حتمية قدرية تتجاوز الجميع، وتتدخل في أقدار الجميع:
وكأن الأبيض نصف إله
وكأن الأسود نصف بشر
قدر لفظته شفه الله
طين ... ودم