الصفحة 27 من 34

وَإِذَا قَالَ: (لَكَ أُسْوَةٌ فِي فُلَانٍ فِي جَمِيعِ الْأَشْيَاءِ) ، فَهُوَ مُفِيدٌ لِلتَّأْكِيدِ وَلَيْسَ تَكْرَارًا خَلِيًّا عَنِ الْفَائِدَةِ، وَإِذَا قَالَ: (لَكَ أُسْوَةٌ فِي فُلَانٍ فِي هَذَا الشَّيْءِ دُونَ غَيْرِهِ) ، فَلَا يَكُونُ مُنَاقَضَةً لِأَنَّ الْعُمُومَ إِنَّمَا هُوَ مُسْتَفَادٌ مِنَ التَّأَسِّي وَالْمُتَابَعَةِ الْمُطْلَقَةِ وَهَذَا لَيْسَ بِمُطْلَقٍ، بَلِ الْكُلُّ جُمْلَةٌ وَاحِدَةٌ مُفِيدَةٌ لِشَيْءٍ مُعَيَّنٍ.

وَأَمَّا مَا ذَكَرُوهُ عَلَى الْإِجْمَاعِ، فَهُوَ خِلَافُ الْمَشْهُورِ الْمَأْثُورِ عَنْهُمْ، وَلَوْ كَانَ ثَمَّ دَلِيلٌ يَدُلُّ عَلَى الْمُتَابَعَةِ وَالتَّأَسِّي غَيْرَ النَّظَرِ إِلَى أَفْعَالِهِ لَبَادَرُوا إِلَيْهِ مِنْ غَيْرِ تَوَقُّفٍ عَلَى الْبَحْثِ عَنْ فِعْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَعَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ فِي فِعْلِهِ يَكُونُ الْحُكْمُ فِي تَرْكِهِ [1] .

وحرر الامام السبكي وهو يشرح كلام البيضاوي المسألة فقال:

والذي يظهر في الآية أن الله تعالى جعل للمؤمنين في النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - أسوة حسنة وتلك الأسوة هي الاقتداء به وليست عامة في كل شيء إذ هي نكرة في سياق الإثبات فلا تقتضي العموم فلا يلزم دخول الفعل المجرد تحتها هذا من حيث اللفظ وسواء قرر على الوجه المقتضي للوجوب أم للندب، وألحق من الدلائل الخارجية والبراهين القاطعة أنّ الاقتداء به في كل شيء مشروع محبوب لأن الله تعالى جعله قدوة الخليقة، ولكن الاقتداء به يستدعي العلم بصفة الفعل، والفعلُ المجرد لم تعلم صفته، فلا يدل وجوب الاقتداء ولا استحبابه عليه [2] .

والمطلع للنصوص أعلاه يعلم يقينا أنّ الأُسوة اصطلاحًا تعني:

القدوة العظيمة، على قراءة عاصم بضم الهمزة، وفي أدنى المراتب - على قراءة الباقين بالكسر، تساوون أنفسكم به، وهو أعلى الناس قدرًا يجب على كل أحد أن يفدي ظفره الشريف ولو بعينه فضلًا عن أن يسوي نفسه بنفسه، فيكون معه في كل أمر يكون فيه، لا يختلف عنه أصلًا.

وجعل التأسّي لقبًَا لاتِّباع الرسول في أعماله التي لم يطالب بها الأمة على وجه التشريع، وجعل متعلقُ الائتساء ذاتَ الرسول دون وصف خاص ليشمل الائتساء به في أقواله بامتثال أوامره واجتناب ما ينهَى عنه، والائتساءَ بأفعاله من الصبر والشجاعة والثبات. وهي تكون فِي جَمِيعِ الْأَشْيَاءِ.

قال السيوطي:

(1) الإحكام في أصول الأحكام للآمدي: (1/ 186 - 188) مختصرًا.

(2) الإبهاج في شرح المنهاج: (2/ 268) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت