وأقول: الِاقْتِدَاءُ افْتِعَالٌ مِنَ الْقُدْوَةِ يصح في جزئيه واحدة وليس في كل جوانب الحياة، ففلان شجاع يقتدى به في الشجاعة، وفلان كريم يقتدى به في الكرم، وفلان أديب يقتدى بأدبه، وفلان ذو خلق يقتدى بأخلاقه، وفلان شجاع ولكنه لا يصلي يقتدى به في الشجاعة ولا يصح أن يقتدى به في تركه للصلاة، وهكذا ومن اقتدى بشيء لزمه ومشى على دربه باستقامة محاولا المساوة له في هذه الصفة، ولا يكون الاقتداء الا بالقرب من صاحبه لمعرفة أحواله، ومن تقرب منه شم له رائحة طيبة معنوية في تلك الصفة فكان متأسيا به في تلك الجزئية فحسب، والله أعلم بالصواب.
والسؤال المهم كيف يطلب من صاحب المقام العالي ان يقتدي بمن هو أدنى منه مقاما؟ أي: كيف يطلب من النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - ان يقتدى بالأنبياء وهو أعلى منهم رتبه ومقاما عند الله وهو امر مفروغ منه بالنص والعقل؟
والجواب: أن هذا السؤال يصح لو طلب منه ذلك، ولكن الله تعالى لم يقل فبهم أقتده، ولكن قال: {فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ} ، وهناك بون كبير بين ان يقال له فبهم اقتده وبين ان يقال له: فبهداهم اقتده، فمعلوم أن الهدى واحد وهو من الله، وليس تابع لأشخاص الانبياء صلوات ربي وسلامه عليه، ومن هنا تصح المسألة فالعقيدة واحدة والقيم واحدة والتشريع يختلف فصح اقتداؤه بهديهم، ولا يصح الاقتداء بهم، من هنا نقول: من آمن بمحمد - صلى الله عليه وسلم - آمن بجميع الانبياء.
والسياق القرآني يرجح ذلك، فبعد ذكر أسماء الانبياء جاء التعقيب القرآني: {ذَلِكَ هُدَى اللهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (88) أُولَئِكَ الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ فَإِنْ يَكْفُرْ بِهَا هَؤُلَاءِ فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْمًا لَيْسُوا بِهَا بِكَافِرِينَ (89) أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرَى لِلْعَالَمِينَ} ، فالهداية من الله، والأنبياء ممن هدى الله، وعليه جاء الامر بالاقتداء بهداهم، والذي يؤكد المعنى الذي أسلفت أنّ الاقتداء يصح في أمر جزئيّ انه سبحانه وتعالى حصر الاقتداء بالهداية دون غيرها، والله أعلم بالصواب.