وبعد ساعة من الزمان، أخرجَ الحقيبة التي أسماها حِرْزًا، وقال لي: أرجوكَ يا بُنَيَّ أن لا تفتَحَها ما دامَ جدُّكَ حيًّا، بل بعد موتي، وفي اليوم الثالث مساءً، أحضِرْها، وادعُ أباكَ وجميع أعمامِكَ وعمّاتِكَ، وقُل لهم إنّ لديكَ أمانةً من جدِّكَ تريدُ لهم أن يعرفوها .. ثمّ اطلب منهم قراءة الفاتحة على روحي، وبعدها سَلِّمِ الحِرْزَ لأكبر أعمامِكَ، وقُلْ له أن يفتَحَه، ثمّ ليقرأَ ما فيه على الحضور جميعًا. فإن لم يفعلْ فأعطِهِ للعمِّ الذي يصغره، وهكذا ...
بعد أقلّ من سنة، وبينما كنتُ في قاعة المحاضرات في كلّيّتي، جاءتني رسالة تقول: تعالَ ودِّعْ جَدَّكَ ...
ماذا؟ جدّي؟؟ ما بِهِ؟؟؟ كيف أودِّعُهُ؟ ومتى قرَّرَ السَّفَر؟ في الصباح كنّا معًا ...
خرجْتُ بعد انتهاء المحاضرة، وهرعتُ إلى البيت، وإذا بي ألقى جدّي في رمقِهِ الأخير:
-يا بُنَيّ .. اذكرني في ما أَحْسَنْتُ .. وانسَ أيَّ إساءةٍ نالتكَ أو نالتْ غيرَكَ منّي .. أحبِبْ أُمَّكَ وأباك .. وإخوتَكَ .. وجميع أبناء قومِكَ .. وعليكَ بالعلمِ والصبرِ .. عِشْ بالتّسامُحِ مع النّاسِ .. إيّاكَ أن تكونَ قاسيًّا .. العلمَ .. العلمَ .. العلـ
كان كأسُ الماء في يدي .. وكنتُ أُشْرِبُ جدّي منه على دفعات .. وكان يهزُّ يدي بيده المرتعشة، ويقول: الأمانةَ .. الأمانةَ .. ثمّ نطق الشهادتينِ .. وبعدها صار يقول بصوت خافت: الله .. الله .. الله .. الله إلى أنْ توقّف الصوت .. ثمّ ضمَّ شَفَتَيهِ، وقد انقلبت عيناه إلى الخلف. ثمّ انحنى رأسُهُ جهةَ اليمين ...
لم أكنْ وحدي .. ولم أشأْ أن أعرف معنى ما حدث .. ولم أجد نفسي إلّا وقد انسحبْتُ من أمامه والدموع تطفر من عينيَّ .. بينما بعض أولاده يبكي، وربمّا بعضهم يشهق في البكاء ...