حديقة الموت، أي: حديقة موت الأعداء.
تعود هذه التسمية إلى أيام حروب الردة.
ذهبنا إلى مدينة الخرج، واسترحنا في حديقة الملك عبد العزيز يرحمه الله، فقالوا لنا: هل زرتم حديقة الموت؟
قلت: وأي حديقة هذه؟
قالوا: الحديقة التي تحصن بها مسيلمة الكذاب لعنه الله في حروب الردة.
قلت: أهي في هذه المنطقة؟
قالوا: نعم، وأشاروا إلى جهة الشرق مع انحراف قليل نحو الغرب.
رأيت بيوتًا شعبية من الطين، وأمامها مزارع، ورأيت إلى الجنوب منها سورًا لا باب له، وهذا السور من الحجارة الزرقاء، قالوا: هذه هي الحديقة التي سميت بحديقة الموت.
طولها أقل من مئة متر، وهذا الطول أربعة أضعاف عرضها حسب تقديري. ارتفاع السور قريب من مترين.
لقد ذكرت في موسوعتي (التاريخ الإسلامي منذ البعثة إلى اليوم) هذه الحديقة، وما كان لها من شأن، وتهادت على مسرح نفسي بطولة البراء بن مالك شقيق أنس خادم رسول الله صلى الله عليه وسلم حينما قاتلت بنو حنيفة الصحابة الكرام رضي الله عنهم أجمعين، بقيادة سيف الله خالد بن الوليد، رضي الله عنه، وكان يقود المرتدين مسيلمة الكذاب لعنه الله، وكان بنو حنيفة في أربعين ألفًا، كلهم بطل، استماتوا في قتال المسلمين وقتل من حفاظ القرآن في هذه الموقعة الكثير، لذلك بوغت فكرة جمع القرآن وكتابته حتى لا يضيع.
أمامي هذان الجيشان، لقد تقهقر المسلمون، وكأنني أسمع صوت خالد وهو يصيح بجيشه (تميزوا) وكأن هذه الكلمة فعلت في النفوس فعل السحر، حيث تميزوا، فانضم المهاجرون إلى المهاجرين، وكانوا مبثوثين، وانحاز الأنصار إلى الأنصار، وعرف كل قبيل موقعه، حتى إذا تقهقروا عرفوا، فثبت الجيش الإسلامي، ورسخ رسوخ الجبال، فانهزمت بنو حنيفة ولجؤوا إلى هذه الحديقة وأغلقوا عليهم بابهم.
وكأن هذه الحديقة كانت حصنًا والجدران كانت أعلى، فلما ظن المرتدون أنهم أمنوا داخل حصنهم، تقدم صقر حروب المرتدين البراء بن مالك الذي قتل مئة مبارزة غير من قتل في الصدام وقال: ارفعوني على التروس وألقوني عليهم.