الصفحة 87 من 303

ذلك أنه خلال فترة ما بعد الحرب، خصوصا في السنوات الأولى، كانت الولايات المتحدة تريد وتسعى لتغيير العالم بما يتفق أكثر مع ما ترغب. وكما لاحظ ليفلر Letler أن الأمريكيين"قد توقعوا بعد الحرب بفترة قصيرة أن يعيدوا تشكيل العالم وذلك على حسب صورة العالم في ذهن آمريکا، وأن يخلقوا القرن الأمريكي، فكانوا ينوون دفع السلام العالمي، وتدعيم الاستقرار الدولي، وفي نفس الوقت قاموا بحراسة الأمن القومي، ودعموا القوة الأمريكية، وعلاوة على ذلك، قاموا بزيادة الرخاء الاقتصادي الأمريكي" (31) . ويوجد مثالان يوضحان المقصود فيما يتعلق بالدوافع الأمريكية. ففي ديسمبر 1945 م كانت الولايات المتحدة تقوم بعمل مفاوضات حول اتفاقية قرض والذي بموجبها سوف تعطي الولايات المتحدة بريطانيا 4.4 مليار دولار بمعدل فائدة منخفض جدا (أقل من ?2) ، وعلى حين قد يكون الإيثار والرغبة في دعم الحليف قد لعب دورا في هذا القرار، إلا أنه من المثير أن بريطانيا قد قامت مقابل ذلك بخفض المعوقات التي تواجهها التجارة الأمريكية في الكومنولث البريطاني (32) . وبالمثل، فقد استخدم الرئيس"أيزنهاور وكالة الاستخبارات المركزية CIA في عام 1954 م"لخلع رئيس جواتيمالا وأتبع ذلك على الفور بمعونة عسكرية قدرها 45 مليار دولار للنظام الجديد. لقد صممت هذه السياسات بصراحة لإعادة تشکيل سياسات الآخرين لتكون أكثر تماشيا مع رغبة الولايات المتحدة

وأخيرا: فإننا نتوقع أن أي دولة تخضع لتغير يتمثل في زيادة كبيرة في إمكاناتها النسبية ستشهد بعض الخلافات فيما يتصل بسياستها الخارجية، وطبقا لنظريتنا، فإن الصراعات الداخلية المتعلقة بالسياسة الخارجية ينبغي أن تحدث أساسا بشأن تحديد التفضيلات المجتمعية التي توجه السياسة الخارجية للدولة. ذلك أن بؤرة الجدل ينبغي أن تتضمن المزيج المناسب من السياسات الرامية لتحقيق الحفاظ على الوضع القائم، وتلك الساعية لتحقيق التغيير وعندما تمر الدولة بحالة من الزيادة في الإمكانات فإننا نتوقع أن تتبنى ملف سياست جديد ينتج مزيدا من التغيير و مزيدا من الحفاظ على الوضع القائم. وهكذا، فإنه ينبغي على جميع الفاعلين المحليين أن يدركوا أن ثمة تحسنا قد

طرأ، حيث يحصل كل طرف على مزيد مما يرغب. وكما يجادل سنايدر Snyder .،"يتم تحقيق تناغم السياسة الخارجية وانسجامها بإعطاء ذوي النزعة الدولية internationalist ، الساعين إلى التغيير في نظريتا، وذوي النزعة القومية nationalist ، الساعين إلى الحفاظ على الوضع القائم، ما أرادوا فيما يتعلق بقضايا اهتموا بها للغاية" (33) . لقد كان هذا، طبقا لنظريتنا، هو مصدر التوافق بين الحزبين في أعقاب الحرب بخصوص السياسة الخارجية. وقد سمحت القوة العظيمة للولايات المتحدة الأولئك الذين يريدون التغيير و أولئك الذين يرغبون في الحفاظ أن يحصلوا على ما أرادوا. وتتجلى صحة هذا خصوصا عندما يتم الاهتمام بالهيكل المؤسسي لصنع السياسة الخارجية الأمريكية. وقد ناقشنا في موضع آخر (34) أن الرئيس الأمريكي يقوم بوضع الأجندة أو ترتيب الأولويات للسياسة الخارجية. فمسؤوليته أن يقترح ملف السياسة الخارجية في حين أن وظيفة الكونجرس هي أن يصدق أو لا يصدق على

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت