الصفحة 167 من 303

ثانيا: لأن الإنفاق العسكري هو أحد جوانب السياسة الخارجية التي تم تحليلها على نطاق واسع، وقد ركز

الدارسون طويلا على أسباب عديدة لإنفاق الدول.

لقد اتجه نظر المتخصصين في مجالات سباق التسلح بصفة خاصة إلى المحددات الدولية لميزانية الدولة العسكرية (29) . ويتركز اهتمامنا في هذا القسم على العلاقة العامة والتي تتنبأ بها نظريا بين قوة الدولة والإنفاق العسكري, وحيث إن العوامل الدولية تؤثر بالتأكيد على قرار الدولة بخصوص موقفها العسكري، فإننا سنركز هنا على العوامل الداخلية للإنفاق العسكري، على نحو ما تم تحديده من خلال نظريتنا.

ونعتبر أن الإنفاق الدفاعي هو بالأساس نشاط يهدف إلى الحفاظ على الوضع القائم. حيث إن المخصصات الدفاعية تكون أكثر فاعلية في حماية جوانب مفضلة في الوضع القائم، مقارنة بدورها في تحقيق تغيير منشود وتعترف بامكانية توجيه التهديد به، أو استخدام القوات العسكرية نحو تغيير سلوك دول أخرى، ومن ثم زيادة التغيير الخاص بإحداها. وبالطبع نرى المبادرة باثارة صراع باعتبارها سياسة تنشد التغيير؛ بمعنى أن امتلاك قدرة عسكرية كافية يعد شرطة ضرورية للمبادرة بإثارة صراع عسكري. ونفترض، على أي حال، أن معظم النفقات العسكرية التي تم تجميعها يتم تخصيصها لحماية ما تملكه الدولة بالفعل. (قمنا في الفصل السابع بتقسيم الإتفاق إلى عناصر، حددنا أحدها، وهو الإنفاق الكثيف لرأس المال، باعتباره هادف للتغيير. وتعد القدرة العسكرية أفضل نسبيا في المحافظة على الموقف ثابتا مما لو سعت لتغييره، وهناك أسباب عديدة لهذا:

أولا: يذهب المحللون بشكل عام إلى أن الهجوم في المعركة يتطلب وجود تفوق في القدرة العسكرية التي تقدر بنسبة ثلاثة إلى واحد على الأقل لكي يتم إدراك النجاح (30) . ومن ثم، فإن القدرة العسكرية الموجودة هي أفضل كثيرا في مقدرتها على حماية شيء ما مقارنة بإحداث تغيير. ولنأخذ في الاعتبار، مثلا، أن دولة ما، (أ) تملك قوة عسكرية مساوية لمنافستها (ب) ، فلكي يتأتى لها تحقيق النصر، لابد أن تزيد (أ) قدرتها العسكرية بنسبة 200?، ويعتبر هذا بمثابة مهمة بالغة الصعوبة. وعلاوة على ذلك، لو أن قدرة الدولة (أ) في الموقف الأصلي تعادل تقريبا نصف قدرة الدولة (ب) ، فينبغي على الدولة (أ) أن تزيد من قدرتها العسكرية تقريبا ست مرات لتحقيق النصر.

ثانيا: هناك سبب آخر يبرر القول بأن القدرة العسكرية تعتبر أفضل في تحقيق الحفاظ على الوضع القائم مما لو استخدمت لتحقيق التغيير، ذلك أن المحاولات لتغيير موقف ما هي بالضرورة فعل موجه، بينما يمكن للدولة حماية النتائج المرغوبة من تهديدات مختلفة بشكل تلقائي، بمعنى أنه لكي تغير الدولة جوانب معينة من الوضع القائم، فإنه ينبغي أن يكون لها هدف. فالتغيير يقتضي موارد يتم توجيهها نحو دولة أخرى، أو مجموعة دول، أو قضية محددة. فتلكم الموارد نفسها يمكن استخدامها، بأي حال، لحماية بعض جوانب الوضع القائم من تهديدات متنوعة في نفس الوقت. فيمكن أن تستخدم وحدة عسكرية لمحاولة تغيير السياسة الأمنية لكوريا الشمالية، كما يمكن أن تستخدم

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت