الانسحاب بعد العلاج البطولي، من خلال تغيير الوزارة في مصر، وهنا يجب أن لا يغيب عنا أن ذلك كان في توقيت أو زمن لا تعرف فيه مصر أي شيء عن السرية الرسمية، وأيضا يجب أن لا يغيب عنا أن عديدا من الممثلين، الذين اشتهر البعض منهم، وبخاصة الجنرال غوردون (1) بقلة الكلام، كان ينبغي جعلهم موضع ثقة من الحكومة، - هل يستطيع أي إنسان أن يفترض ولو للحظة واحدة، أن تبقى سياسة الانسحاب، في ظل كل هذه الظروف سرا؟ كانت السرية أمرا مستحيلا بطبيعة الحال، وأن مسألة إعلان أو عدم إعلان هذه السياسة، لم يكن ليقدم أو يؤخر، لا في أوروبا ولا في مصر نفسها.
وعليه، فهذا هو كل ما عندي عن سياسة الانسحاب من السودان. وعلى الرغم من قسوة الهجوم الذي وقع على كل من كانت له صلة بانتهاج هذه السياسة، فانا أرى أن تلك كانت السياسة الوحيدة الحكيمة الممكنة في ظل هذه الظروف، يزاد على ذلك، وعلى الرغم من الانتكاسات الواضحة، من الأخطاء التي حدثت في تنفيذ هذه السياسية، فأنا أرى أن انتهاج هذه السياسة كان مفيدا لمصر نفسها، ومفيدا أيضا لتحقيق الأهداف العامة لإنجلترا في ذلك البلد. وإذا ما سئلت عما إذا كانت سياسة الانسحاب من السودان كانت أمرا مطلوبا أو العكس، وإذا لم تكن أمرا مرغوبا فلماذا جرى انتهاجها، فإنني لن أتردد في الإجابة على هذه الأسئلة. إذا ما نظرنا إلى سياسة الانسحاب من الخرطوم نظرة أكاديمية بحتة نجد أن هذه السياسة كانت أمرا غير مطلوب،
(1) سوف نشرح حالا (على صفحة 467 - 471) أن الجنرال غوردون نفسه، كان
مسئولا عندما نشر على السودانيين خبر انتواء الحكومة المصرية الانسحاب من
السودان.