تلك كان ينبغي أن يوضح للخديوي أن أقل همسة تكشف عن سوء النية يمكن أن يكون لها أثر بالغ على سمعته وبالتالي الولاء له. هذا يعني أن الحذر البالغ كان أمرا حتميا، ويعني كذلك أن التصرف الجري والمباشر، وكذلك القمع الحاسم ليسانس القصر، يمكن أن يهدي من مخاوف الضباط، وعلى الرغم من أن رياض باشا، قد لا يكون قد أمسك بخيوط الموقف كلها، فقد كانت لديه الغرائز السياسية التي مكنته من تقييم طبيعة الخطر المحدق. فقد حذر رياض باشا الخديوي مرارا من إتيان أو قول أي شيء يمكن أن يثير، حتى ولو أقل الشكوك، في نواياه (الخديوى) . ونحن لا نرجح أن الخديوي كانت لديه نية مبيتة للانتقام من المتمردين والثار منهم. والمؤكد هو أن طبيعة إسماعيل باشا الإنسانية، كانت ترفض أية فكرة من أفكار القتل أو الاغتيال، وذلك على العكس تماما مما نسب إلى الرجل. يزاد على ذلك، أنه لو كان الخديوي يعد نفسه قويا وقادرا على التصرف، لما كشف عن استيائه بصورة أو بأخرى، وذلك على الرغم من العفو الذي جرى انتزاعه منه. والخديوي إسماعيل، شأنه شأن ما كبث لن يلعب من وراء الستار، لكنه قد يكسب عن طريق الخطأ. صحيح أن الشرقي قد يصفح صنا كاملا في بعض حالات الفوضى، لكنه يبدي تحفظا في الوقت، مما يجعله يتراجع عنه في المستقبل. لقد سمح الخديوي للأشياء المحيطة به، والتي تمارس دوما نفوذا مضرا على أي بلاط مشرقي، بالدس والتآمر والحديث على نحو جرى تفسيره بأنه يهدف إلى إثارة مخاوف وشكوك المتمردين. ولذلك أشار عرابي بصفة خاصة في منشوره الذي أرسله إلى القناصل العامة إلى دسائس ومؤامرات يوسف باشا كمال، عميل الخديوي، وإبراهيم أغاء توتنجي (*) (حامل غليون) الخديوي، الذي قال عرابي عنه:"إنه كان يبذر بذور الفرقة والشقاق والنزاع". وعليه يمكن القول: إن الدوافع الوطنية
(*) توتجي: كلمة تركية تعني حامل غليون التدخين". (المترجم) "