تمتد جذور المواقف السائدة تجاه الواقع والمعرفة والحقيقة إلى عصر الأنوار. ففي ذلك الحين لم يمتلك البشر سوى معرفة قليلة نسبيا بقوى الطبيعة وقدرة أقل على التحكم بها، لكن المنهج العلمي قدم وعدا لا نهائيا في هذا السياق لأنه بدأ يفرز نتائج مهمة. كان من المناسب التفكير بالواقع کشيء موجود هناك وفي انتظار أن نكتشفه. فعلى الرغم من كل شيء، لم تكن حتى الأرض مكتشفة كلها في القرن الثامن عشر. وأعطى تجميع الحقائق وتأسيس العلاقة بينها ثمارا مفيدة. إذ اكتسبت المعرفة بطرائق مختلفة ومن جهات متعددة إلى حد بدت فيه الاحتمالات غير محدودة. كان العقل يكنس الخرافات التي ترسخت عبر القرون، ويولد إحساسا انتصاريا بالتقدم بدلا منها. أما النظرة السائدة للعالم فلم تضع حدا للوظيفة المعرفية؛ ولم تعترف إلا بصلة وحيدة الاتجاه بين التفكير والواقع، وتعاملت مع الواقع كمعطي مستقل يمكن فهمه بعبارات تتطابق مع الحقائق.
بلغت وجهة النظر هذه ذروتها في الوضعية المنطقية، الفلسفة التي ازدهرت في بدايات القرن العشرين في فيينا. تؤكد هذه الفلسفة على أن العبارات البليغة الأسلوب إما أن تكون صادقة أو كاذبة. أما التي لا تنتمي إلى أي من الفئتين فتعد بلا معنى. ويتعامل أتباع الوضعية المنطقية مع الحقائق والعبارات ككيانات منفصلة. والصلة الوحيدة بينها هي أن العبارات الصادقة تتطابق مع الحقائق والكاذبة لا تتطابق معها.
احتمال أن تشكل العبارات الحقائق جرى تجاهله غالبا لكن ليس كليا. فقد تركز الانتباه على مفارقة الكاذب. وأول من ذكر المفارقة فيلسوف کريت ابيمينيديس، حين قال إن أهالي كريت يكذبون دوما. فإذا كانت تلك حقيقة فإن العبارة صادقة. لكن إذا استطاع فيلسوف کريتي تقديم عبارة صادقة، فإن أهالي كريت لم يكذبوا دوما؛ ولذلك تعد عبارة