بين كيانين منفصلين بل بين جزء وكل. وليس من المنطقي الاعتقاد بأن بمقدورنا اكتساب معرفة موضوعية ونزيهة ومجردة الشيء ننتمي إليه، أو تأسيس قراراتنا على تلك المعرفة. ومع ذلك فإن هذا الاعتقاد شائع ومنتشر على نطاق واسع.
لقد أصبحنا نفكر بالواقع كشيء مستقل عن تفكيرنا، بمعنى أن الواقع قابع هناك في انتظار فهمه، وفهمه عبارة عن إيجاد صورة تتطابق معه في أذهاننا. هذا الرأي تعبر عنه نظرية تطابق الحقيقة (مع الواقع) (*) . وحين يكون الفكر والواقع منفصلين يمكن صياغة العبارات التي تتطابق مع الحقائق. لنفكر على سبيل المثال بهذه العبارة: «السماء تمطر» . إنها عبارة صادقة وصحيحة، تعبر عن بعض - وليس كل - جوانب الواقع. وحين يشكل تفكيرنا جزءا من الواقع الذي نفكر فيه، يحدث شرخ في الانفصال بين الفكر والواقع. وبدلا من الصلة الأحادية الاتجاه بين العبارات وبين الحقائق، هنالك علاقة اتصالية ثنائية الاتجاه. الآن، لنفكر بالعبارة التالية: «أنت عدوي» . ما أقوله قد يؤثر فيما تشعر به. ولربما تتصل العبارة بحقيقة ما، لكن الصلة لا تشير بدلالاتها إلى المعرفة، بسبب الاتجاه الثنائي في العلاقة. فلربما حولتك إلى عدو بدلا من مجرد الإقرار السلبي بأنك عدوي. لا يمكن معرفة الحقيقة لأنها متوقفة على ما نعتقده.
(*) تعرف نظرية تطابق الحقيقة (مع الواقع) ، في أكثر أشكالها صرامة، الحقيقة بأنها تطابق بنيوي بين ما هو صادق (معتقد، حکم، اقتراح، عبارة، جملة .. ) وما يجعله صادقا (حدث، حقيقة، حالة، وضع .. ) . وبسبب الصعوبات التي تعترض مثل هذه العلاقة، كثيرا ما تتراخى النظرية لتصل إلى حد القول إن ما هو صادق هو صادق الوجود علاقة ذات صلة، دون أي تطابق بنيوي. وفي النسخة الأضعف (التي تبناها أرسطو) تصبح العبارة الصادقة هي تلك التي تصف الأشياء كما هي؟ ولربما لا تستطيع نظرية تطابق الحقيقة سوى تقديم معيار، وليس تحليلا، للحقيقة. (م)