الصفحة 251 من 290

وبهذه الطريقة، تتغذى عملية التجريد على ذاتها: تعقيدات العالم المتغير هي نتاج البشر إلى حد بعيد.

وفي ضوء التعقيدات، لماذا يستخدم الناس المفاهيم المعنوية المجردة أصلا؟ الجواب يكمن في أنهم يتجنبونها بقدر الإمكان. وطالما يمكن النظر إلى العالم بوصفه لا متغيرا، لا يستخدمون التجريدات على الإطلاق. وحتى حين تصبح التجريدات ضرورة لا غنى عنها، يفضلون التعامل معها كجزء من الواقع بدلا من أن تكون نتاج تفكيرهم هم. التجربة المريرة وحدها كفيلة بتعليمهم التمييز بين أفكارهم والواقع. والنزعة إلى إغفال التعقيدات المتصلة باستعمال التجريدات يجب اعتبارها ضعفا في نمط التفكير النقدي، لأن التجريد أمر لا غنى عنه بالنسبة لهذا النمط، وكلما تضاءل فهمه تعاظم ما يفرزه من تشوش وخلط وارتباك.

على الرغم من مثالب وعيوب التجريدات، إلا أنها تقدم لنا خدمة جليلة.

صحيح أنها توجد مشكلات جديدة، لكن العقل يستجيب لهذه المشكلات بتجديد ومضاعفة الجهد إلى أن يبلغ التفكير درجات من التعقيد والتمييز الدقيق لا يمكن تخيلها في نمط التفكير التقليدي. العالم المتغير لا يتناسب مع نوع اليقين الجاهز والمتاح إذا كان المجتمع لا متغيرا، لكن يمكن لأسلوبه في التفكير الذي لا يبلغ مرتبة الكمال أن يوفر معرفة ثمينة. التجريدات تولد تنوعا لانهائيا من الآراء، وطالما يتاح منهج فعال للاختيار بينها، يجب على النمط النقدي أن يكون قادرا على الاقتراب من الواقع أكثر من النمط التقليدي الذي لا يملك سوى تفسير واحد في متناوله.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت