يكتشفها العقل. فإذا فهم هذا الملمح من التفكير التجريدي بشكل كامل، سوف يتقلص عدد المشكلات التي توجدها التجريدات. ويدرك الناس أنهم يتعاملون مع صورة مبسطة عن الحالة لا الحالة ذاتها. لكن حتى لو تضلع الجميع من تعقيدات الفلسفة اللسانية الحديثة، فإن المشكلات لن تختفي لأن التجريدات تلعب دورا مزدوجا. ففيما يتعلق بالأشياء التي تصفها، تمثل جوانب وملامح الواقع دون أن تملك وجودا ماديا متعينا? على سبيل المثال، لا يجعل قانون الجاذبية التفاحات تسقط إلى الأرض بل يكتفي بتفسير القوانين التي تفعل ذلك. لكن فيما يتعلق بالناس الذين يستخدمونها، تعد التجريدات جزءا من الواقع: عبر التأثير في المواقف والأفعال والتصرفات، تمارس تأثيرا نافذا في الأحداث. على سبيل المثال، غير اكتشاف قانون الجاذبية سلوك الناس. وطالما يفكر الناس بوضعهم، يصبح انعكاسيا. فبدلا من الفصل الصارم الواضح بين الأفكار والواقع، تتضاعف التنويعات اللانهائية للعالم المتغير بالتنوع اللانهائي للتفسيرات التي يمكن للتفكير التجريدي أن ينتجها.
ينزع التفكير التجريدي إلى إيجاد التصنيفات والفئات التي تغاير الجوانب والملامح المتعارضة للعالم الواقعي إزاء بعضها بعضا. الزمان والمكان المجتمع والفرد المادي والمثالي، تعد جميعا تقسيمات نمطية لهذا النوع. ومن نافل القول إن النماذج التي أشيدها هنا تنتمي أيضا إلى تلك المجموعة. هذه التصنيفات ليست أكثر واقعية من التجريدات التي أنتجتها. أي أنها تمثل تبسيطا أو تحريفا للواقع في المقام الأول، لكنها من خلال تأثيرها في تفكير الناس قد تدخل أيضا تقسيمات وصراعات في العالم الواقعي. وتسهم في جعل الواقع أشد تعقيدا والتجريد أكثرضرورة.