الصفحة 156 من 290

في نظرهم يصادق على نتائج ما أفرزته القوة، وهم يعرفون القوة بلغة الجبروت العسكري. هذه الأفكار خاطئة ومغلوطة. فالقوة كلمة مراوغة؛ تنتمي إلى مجال العلوم الطبيعية، حيث يمكن تحديدها وقياسها بدقة. وحين تطبق كلمة «قوة» على عالم البشر، فإنها تستخدم مجازيا ولا يمكن حصر مداليلها المتنوعة في قاسم مشترك. إذ يمكن لعالم فائز بجائزة نوبل أن يهزم أمام مجرم عنيف أمي؛ كما يمكن لديكتاتور مستبد أن يستغل من قبل مشعوذ دجال أو يتحول إلى عجينة لينة في يدي زوجته أو خليلته. القوة تشابه لعبة الأطفال «مقص، ورقة، حجر» : المقص يقص الورقة، والورقة تغطي الحجر، والحجر يثلم المقص.

تبدو مقارنة القوة بلعبة أطفال دعابة، لكنها توفر رؤية لحدود القوة التي فاتت على انتباه قادتنا وزعمائنا. فحين يتمتع أحدهم بتفوق مطلق ويسيء استخدامه، قد يتعرض هذا التفوق للاختراق. ويمكن للإرهاب، دون تبريره، أن يفسر بوصفه ردا على التفوق العسكري: الورقة التي تغلف الحجر.

حول دعاة التفوق الأمريكي القوة إلى استعارة مجازية مزيفة - ليست بعيدة الشبه بالاستعارة المجازية المزيفة الأخرى: الحرب على الإرهاب. وفي الحقيقة، تعد الاستعارتان المجازيتان المزيفتان واجهتين مختلفتين للنظرة المشوهة للعالم ذاتها. فلربما يكون من المفاجئ معرفة مدى الضرر الذي تسببه الاستعارات المجازية المزيفة، لكن يصعب العثور على تفسير آخر للانحطاط السريع لقوة ونفوذ أمريكا. فعلى الرغم من كل شيء، لا يمكن للظروف المادية - القوة العسكرية والاقتصادية والمالية - كما يسميها الماركسيون أن تحدث مثل هذا التغيير كله بخلال خمس سنين. إن البنية الفوقية الإيديولوجية هي التي سببت الضرر كله. مما يفتح طاقة

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت