الصفحة 106 من 578

وبعدها كانت هناك وقفة. وبغض النظر عن خسارة بوكوشينا Bukovina أمام النمسا سنة 1775 م، و بيسارابيا Bessarabia أمام روسيا 1812 م لم تقدم الإمبراطورية العثمانية تنازلات مهمة للقوى الأجنبية سوى بعد قرن من الزمان، عندما استؤنفت العملية بخسارة البوسنة وهرتز جوفينا إلى النمسا وباطوم وكارس أمام روسيا في سنة 1878 م. وفي أثناء هذه الفترة كانت التهديدات الأكبر على وحدة الإمبراطورية وتماسكها تأتي من داخلها.

وقد زادت المهانة التي لحقت بالعثمانيين في كارلوفيتز، وباساروفيتز، والمعاهدات اللاحقة من ضعف السلطة الواهنة بالفعل للحكومة المركزية على الولايات. ومن الأمور ذات الدلالة، أنه حدث في الأراضي الإسلامية القديمة في آسيا وأفريقيا أن ظهر لأول مرة استقلال الولايات ثم اتسع مداه. ولم تكن هذه الحركات باي معني تعبيرا عن معارضة شعبية أو قومية للحكم العثماني. وفيما عدا في مناطق صحراوية وجبلية نائية، مثل شبه الجزيرة العربية، ولبنان، وكردستان، لم يكن الزعماء ولا أتباعهم محليين، وإنما كانوا من الطبقات العسكرية العثمانية أو المملوكية، ولم يكن لهم في أي من الحالين أية جذور في التربة المحلية، ولا يتمتعون باي تعم محلي جدي يعول عليه. فقد كان معظمهم متمردين أو مغامرين من الباشوات والضباط، الذين انتهزوا فرصة بعد سلطة السلطان وضعفها لكي يقتطعوا نصيبا أكبر من العائدات في ولاياتهم لكي يحولوها فعلا إلى إمارات مستقلة. وكان من أمثال هؤلاء على بك في مصر، وأحمد الجزار في بلاد الشام، وبكوات المماليك في بغداد والبصرة، ولم يكن يهمهم اللغة ومشاعر رعاياهم بقدر أكبر مما كان عليه أي سيد إقطاعي في أوربا العصور الوسطى، وإنما كان اهتمامهم أقل كثيرا من اهتمامهم برفاهيتهم الخاصة.

كان الوضع في الأناضول مختلفا إلى حد ما، حيث كان سادة الوادي derebeys حسبما كانت تسميتهم، قد كسبوا استقلالا ذاتيا فعليا حوالي مطلع القرن الثامن عشر. وبدأ هولاء أيضا حياتهم ضباطا أو وكلاء وصاروا أتباعا للسلطان. وعلى خلاف الباشوات في الأراضي العربية، على أية حال، كانت جذورهم ضاربة بين السكان الذين حكموهم والذين نشأوا من بينهم وشكلوا سلالات حاكمة أصلية، لها تقاليد وولاءات محلية قوية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت