تقدم العلم. إن المسألة التي يواجهها هي في غياب دولته عن هذا المشهد. ذلك أن مثل هذه التطورات تحتاج إلى إجراءات تقوم بها الدولة، تسمح له بالانتقال من وضعه السابق إلى مواجهة مستلزماته الجديدة بشيء من السلاسة. لكن الدولة لم تواكبه في هذه التحولات التي طرأت عليه؛ وكان يظن أنها مسألة غياب وتقصير، فإذا الحقيقة أسوأ من ذلك بكثير. إنه التخلف، بصاحبة الفساد، هذا الذي لا يطيقه أي مواطن، والذي أدى إلى التمرد بعد صبر طويل.
كانت للناس في الأرياف مرجعية ثقافية اجتماعية متمثلة بالعائلة والمؤسسة القروية التي كانت تفرض على السكان قوانينها. كانت السكينة الاجتماعية الريفية نتيجة لتأثير تقاليد المجتمع القروي في حياة كل فرد، من مؤسسة الزواج إلى وتيرة العمل إلى مواعيد الصلاة وأنظمة الرقابة الاجتماعية، وحتى إلى المأكل والملبس. كان لحياة القرية إيقاع ونظام يهيمن على كل أوجه الحياة الشخصية، من العمل إلى النشاط الاجتماعي إلى إدارة وقت الفراغ. كل هذه الثوابت اختفت وتلاشت في الساعة التي غادرت فيها العائلة مجالها القروي الذي تعودته، وانتقلت إلى المدينة التي لا تعرف فيها أحدة.
إضافة إلى ذلك، فقد ازداد عدد سكان بلادنا مثلما ازداد في باقي أنحاء المعمورة. ففي العالم العربي تضاعف عدد السكان بضع مرات، إذ ازداد من حوالي خمسين مليون نسمة في خمسينيات القرن العشرين إلى ثلاثمئة وخمسين مليونة. هذا يعني أن أبناء الريف أيضا ازدادوا عددا. والهجرة إلى المدينة لم تعد محصورة في الحاجة إلى تعليم الأولاد وتحسين مستوى معيشتهم. فالأطفال أصبحوا أقل عرضة للموت المبكر بكم دخول الطب إلى الأرياف وتحسن الوضع الصحي العام. أما التقنية الزراعية، فإنها لم تواكب النمو السكاني، ولم تدخل العلوم الزراعية إلى القرية إلا بشكل سطحي. هذه مهمة من مهمات الدولة، وقد فشلت فيها من جديد، بما لا شك فيه.
كذلك، فقد أدخلت هجرة الريف تعديلات على المدينة لم تكن في حسبان أحد،