كمؤلف عسكري قد بدأ يزول، إن الكثيرين لا يزالون يعتبرونه بأنه هو الذي تنبأ بالحرب الحديثة والذي تنبأ بها جاءت به الثورة الفرنسية من مستحدثات عظيمة بإيجاد التجنيد الإجباري، ولكن الكثيرين أيضا يثيرون فشله في إدراك أهمية المدفعية وهو يخط توصيته باتباع التعاليم الرومانية، ويرون أن هذا يدل على نقص في إلمامه الواقعي بالشئون العسكرية.
قد يكون من الصعب أن نقول إنه في هذا الصراع الفكري يكون الخطأ كله أو الصواب كله في جانب واحد، فمثلا أوصى مكيافيللي بالتجنيد العام، ومهما يكن هذا الرأي مدهشا في ضوء التطورات الحديثة فإنه يؤكد أكثر مما ينفي الرأي القائل بنقص إدراك مكيافيللي للواقعية في عصره؛ ذلك لأننا عندما نحلل القوى السياسية في عصره تحليلا تفصيليا عميقا فإننا نواجه نشوء قوة المال ونمو سلطات الأمراء، وكان كل هذا يوضح أن المستقبل للجيش المحترف، وأنه في ضوء تلك الظروف كانت فكرة جمع جيش من الأهالي على النموذج الروماني لا تعدو أن تكون حلا جميلا
ولكن يمكن من جانب آخر أن نلاحظ أن عدم تقدير مكيافيللي للمدفعية ناشئ عن فكرة معقولة وثابتة هي أنه بالرغم من المبتدعات الفنية الحديثة تظل العناصر الأساسية للحرب قائمة. ثم إن توصية مكيافيللي باتباع الطابع الروماني لم تكن غير عملية كما تبدو لنا اليوم، إذ كان اللجيون الروماني - في الواقع - هو الأساس الذي قامت عليه إصلاحات القرن السادس عشر، أولا تلك التي قام بها فرنسوا الأول ملك فرنسا، ثم من بعده الإصلاحات التي قام بها موريس أمير ناسو، وقد وضع الأخير - على أساس دراسته للفن العسكري الروماني - نظام الآلاي كقاعدة، أي الوحدة