وكانت وزارة المالية بناء ضخما بني أساسا من خشب (البغدادلي) والجص، وكثيرا ما كانت السقوف ترشح من مكان لآخر. وكان السلم الوحيد بالمبنى يتحول من وضع الاستقامة إلى الوضع الدائري. وكان المبني في الأصل خاصا بحريم إسماعيل بك المفتش (الحرملك) الذي كان وزيرا للمالية ومستشار السوء للخديو إسماعيل. وعبر بوابة هذا المبنى كان إسماعيل المفتش يخرج يوميا للقاء سيده الخديو ليتناقش معه - دون أن يخشى أن يسترق الحوذي السمع، فقد كان أطرش - حول أفضل الوسائل للحيلولة دون اعتصار ما بقي من الملايين من كد الفلاحين لتصب في أيدي الدائنين الأجانب.
ومن بين المصالح الحكومية، كانت إدارة البريد (البوستة) من نصيب الفرنسيين، وكانت السكك الحديدية (بما فيها التلغرافات) مرتعا للاقباط. أما وزارة المالية (التي كانت لها اختصاصات الخزانة البريطانية عندنا وفي البلاد الأوروبية الأخرى) فكانت أخر قلاع اليهود السفارديم القادمين من سالونيك، والشوام. وكان الموظفون الإنجليز بوزارة المالية معدودين. فإلى جانب المستشار المالي، كان هناك وكيل الوزارة، ومدير الضرائب، ومدير مصلحة الأملاك الأميرية، إضافة إلى طبقة محدودة من المفتشين، ونتج عن ذلك أن أي نظام المحاسبة لا يتماشى مع أهواء الأقباط أو الشوام يواجه العقبات التي من الممكن أن تضايق أكثر المصلحين صبرا وعزما، ولكن المسلمين الذين تعلموا بفضل اللورد كرومر بدأوا يحتلون مواقعهم، وبدأ الاعتماد يقل تدريجيا على الشوام المبغوضين، وكانت ساعات العمل بوزارة المالية من الثامنة حتى الواحدة بعد الظهر يوميا بما في ذلك الأحد، ما عدا يوم الجمعة وهو يوم الراحة والصلاة عند المسلمين. وكانت أكواب القهوة المصرية تقدم نحو ست مرات يوميا، كما تقدم للشخص إذا انتقل إلى قسم أخر مجاور لقسمه لإنجاز أمر يتعلق بالعمل.
وسوف أظل أذكر ما شملني به زميلي ه. ن باودن سميث - السكرتير الخاص المستشار المالى - من عطف في بداية عملي بالوزارة، وكان بارعا في تقليد خط وأسلوب الكتابة والخطابة للسير ألدون جورست رئيسه السابق، وقد عرفت بعد مرور