الديوان). وعلى نقيض سابقيه لم يتعلم أبدا إملاء الرسائل، وإن كان المرء يجد نفسه أحيانا جالسا بمكتبه يمسك ورقة وقلما من الرصاص، يسجل بعض الجمل والعبارات بينما اللورد يتمشى في الحجرة جيئة وذهابا يدخن السيجار ويلقي ببعض العبارات.
وعند معالجته للمشاكل والأزمات الكبرى (وعندما لم تكن هناك واحدة منها بمصر، كان معنى ذلك وجود الاثنين معا) ، كانت الورد كيتشنر عابتان، فيعهد بها أولا إلى أحد مرعوسيه، ويسأل الرأي فيما يجب اتباعه حيال المشكلة أو الأزمة، وبعد أن يستمع إلى الأراء، قد يقترح في اليوم التالي حلا مشابها تماما لما جاء براي مساعده، مما يدعو إلى الدهشة، أما العادة الأخرى، فتتمثل في تقدمه بعدد من الحلول العنيفة والمتعصية بهدف معرفة الكيفية التي تواجه بها تلك الحلول.
وبينما كان يتحدث بسهولة أكثر مع الرجال، كان باستطاعته أن يسترخي ساكا في صحبة مجموعة من النساء الذين يعرفهن منذ سنوات طوال. وقد لوحظ ذلك عند زيارة بعض الأصدقاء القدامى لقصر الدوبارة مثل الليدي لابارد (وفيما بعد) الليدي سولسبوري والليدي ديسبورو وعائلاتهن، ويشعر بالسعادة عندما يصطحب بعض الزوار في جولاتهم السياحية، وكانت سعادته لا حدود لها عندما يتناول الغداء أو الشاي ضيفا على الأميرة نازلي فاضل، فقد عرفت الأميرة كيتشنر منذ كان شابا برتبة كابتن، وظلت حريصة على أن يظل حبل الود موصوة بينهما. وكانت الأميرة تجلس وإلى جانبها نصف زجاجة من الشمبانيا وإلى جوارها منضدة صغيرة مطعمة بالصدف، تدخن بصورة مستمرة السجائر الروسية، ثم تطفتها في منفضة، حتي إذا امتلات س ارعت فطومة أو عزيزة بتغييرها بمساعدة فريق من الخدم يقف بالباب انتظارا للأوامر، ومن الغريب أن كيتشنر كان يستمع إلى حديثها الذي كان مزيجا من الإنجليزية والفرنسية والتركية والعربية، عندما تقول: «هل تعتقد أن المصريين يخافون اللورد كيتشنر وهو قابع في قصر الدوبارة؟ .. إنهم يضحكون .. ولماذا لا يضحكون وهم يرونك تسمح بعمل رجل قذر عفن مثل .. وزيرا؟، فيرد كيتشنر قائلا: لا أظن ذلك يا أميرة نازلى .. و فتستطرد قائلة: إنك لا نعرف، فإذا كنت قد عينت ... ، وتأتي على ذكر الضحية الأخرى للخلاف، كل ذلك وكيتشنر يجلس في حالة استرخاء تام، لا يأخذ الحديث مأخذ الجد.