أمامنا في هذه الحالة نظام متوازن بل نظام غير متوازن، حيث أن هذا النظام لا يشتمل على ما يوازن قوة الموازن ذاته. وهكذا فإذا كانت القوة التي تتم موازنتها هي قوة محيدة، فإن الدولة غير المنحازة تعتبر في موقف قوة كبير للغاية. وتتمثل الميزة التي يتمتع بها الموازن في أنه لا يمكن استخدام قوة الدول التي يشتمل عليها التوازن المركزي بنفس الطريقة التي يمكن استخدام وتوظيف قوته بها. ونظرا لأن تدخله يفضي إلى أكثرية، إلا أنها تكون"مكرسة لحماية الحقوق المشروعة"، فإنه ووفقا لكلمات أورجانسكي"يتسبب تدخل الموازن في حدوث الشيء ذاته الذي قيل عنه أنه مصمم لمنع وقوعه" (1968: 287 , Organski) . ويؤيد أورجانسكي في ذلك ستيرلنج الذي يقول بإنه أن تصبح موازنا يعني أن"تصبح قريبا من تحقيق السيطرة الفعلية بقدر ما يسمح نظام متنوع و متعدد الأقطاب بذلك". حيث دور الموازن بشكل خاص وسيلة لأنه بالمقارنة بالسعي الصريح لبناء امپراطورية بنطوي هذا الدور على حد أدنى من إنفاق الموارد، حد أدنى من المعارضة ومن ثم حد أدنى من الخطر" (57: 1972 , Sterling) ، لكن وكما ذكر إينيس کلود"فإن كل دولة تتفوق على البقية تجعل من نفسها مصدر إزعاج لجيرانها". لما يجب أن يكون الموازن؟، بالنسبة لأورجانسکي يعد هذا عيبة قاتلا في نظرية توازن القوى، فهو لا يقبل بالقول بإن كون الأكثرية في يد الموازن تمثل عاملا جالبة للاستقرار في حين أن كونها في يد أي من الدول الأخرى سوف يشكل تهديدا"
فمن حيث المنطق الدقيق، يعد أورجانسكي مصيبة بشكل واضح. لكن، وعلى نفس الدرجة من الوضوح، فقد قامت دول معينة بلعب دور الموازن بصورة ناجحة في فترات محددة، وبذلك فإنها تكون قد أضفت على المفهوم مصداقية معينة، وهذا الأمر يحتاج إلى أن يتم تفسيره، ففي حالة سعى بريطانيا للعب هذا الدور، كان هناك عددا من العوامل الداخلية التي حدت تقليدية من نفوذ بريطانيا في القارة الأوروبية، فعدم الثقة بالجيوش النظامية الكبيرة، والشكوك التي تساورها تجاه التورط في القارة الأوروبية بالإضافة إلى تفضيلها للقوة البحرية كانت من الأمور التي لا تتناسب مع الغزو القاري، وعملت جميعها على تحجيم دور بريطانيا. ولكي تحظى دولة ما بالمصداقية في سعيها اللعب دور الموازن، فإنه يتوجب عليها امتلاك مجموعة من القيم الثقافية والسياسية التي تعمل على تحجيم رغبتها في تحقيق الأكثرية الإقليمية والسياسية في المنطقة التي تتطلع للعب دور الموازن فيها. ولا يشترط بالضرورة أن تكون هذه العوامل هي العوامل ذاتها التي قيدت بريطانيا، ولكن يجب أن يكون لها التأثير العملي ذاته.