موقف مختلف جذرية عن الموقف المسيحي. ففي تاريخ الكنائس المسيحية كانت الهرطقة مسالة تحظى باهتمام عميق جدة. وكانت الهرطقة نعني انحرافة عن المعتقد الصحيح كما تعرفه السلطة - الانحراف الذي تميزه السلطة وتعرفه بأنه انحراف.
أما في الاسلام فكان هناك اهتمام أقل بتفاصيل المعتقد، وما كان يهم الناس هو ما كان الناس يفعلونه - ممارسة الاستقامة مفضلة على الاستقامة نفسها - وكان مجازا للمسلمين بصورة عامة أن بعتقدوا بما يشائين ماداموا يعترفون بالحدود الأساسية: وحدانية الإله ونبوة محمد، والتقيد بالسلوكيات الاجتماعية السائدة، وحتى البدع أو الهرطقات المنحرفة بشكل كبير عن الخط الاسلامي الأساس كانت تلقي التسامح. وكانت الهرطقة تقمع عندما كان بري بأنها ستشكل تهديدا خطيرا للنظام الاجتماعي أو السياسي.
وكان الكثير من هذه الاعتبارات ذاتها ينظم مواقف المسلمين إزاء الرعايا من غير المسلمين، وكانت المشاكل تثور عندما كان يعتقد بأن اليهود والنصاري كانوا يحققون ثراء فاحشة أو يقوون بشكل مفرط، وبكلمة أخرى، عندما كانوا يترفون بما كانوا يحصلون عليه بشكل مفضوح، ومن أشهر الأمثلة على ذلك مذبحة اليهود في غرناطة عام 1066، والمعزوة عموما إلى رد فيما بين الأهالي المسلمين ضد وزير يهودي قوي بالغ في تباهية بنفسه. وبوسع المرء أن يضيف إلى هذا المثال عدة أمثلة أخرى كثيرا ما كانت موجهة ضد النصارى أكثر مما هي موجهة ضد اليهود
وثمة موضوع أخر كان بسبب نقمة العامة على غير المسلمين، هو الاتهام بما كان يسمى الاتصال مع العدو، وكان هذا يعني الاتصال مع أعداء الإسلام. وكانت الحالة الأولى الكبرى في زمن الصلبيين، عندما عمدت بعض الجاليات المسيحية من بلدان الشرق الأوسط إلى تقديم نفسها إلى الصليبيين. وكان من الطبيعي ألا يتأثر اليهود بصورة مباشرة. إذ لم يكن اليهود يکنون أي ود لهم، بل على العكس من ذلك تماما، إلا أنهم كانوا أحيانا يؤخذون بمغبة المشاعر السائدة من قبل، حيث كانوا يتحملون عبء المشاعر العامة المستاءة من غير المسلمين الذين كان ينظر إليهم - وليس دونما سبب ما - کرعايا غير موثوقين في دولة مسلمة هي في حالة حرب مع من على دينهم(دين الرعايا غير
المسلمين).