الثورة الفرنسية
يجب ألا نظل محصورين بأسباب الثورة الفرنسية وتطوراتها، فما يهمنا هو أنها أدت إلى إطاحة النظام الملكي البوربوني واستبدال نظام آخر جمهوري به. هذا التطور كان مهم للغاية، لأن النظام الجمهوري الفرنسي استمد سيادته وشرعيته من الشعب، ومن ثم، لم يعترف بقدسية أي شيء في النظام الملكي. وكان المشهد - على حد وصف أبي دي سييه Abee de Sieyes كبير منظري الثورة - على النحو الآتي: «الشعب قبل أي شيء آخر، وهو مصدر كل شيء، وسيظل شرعية، وهو القانون نفسه. وقبله وفوقه لا يأتي سوى"القانون الطبيعي"» (6) . ومن الصعب أن نتخيل إدانة أبشع من هذه للنظام الملكي؛ تلك المؤسسة التي جرى العرف على أنها حلقة الوصل بين الشعب والقانون الطبيعي التي يدعي دي سييه الآن أنها لم توجد أصلا. ولهذا السبب، وصف المفكر المحافظ الكبير، إدموند بيرك الحروب الثورية بأنها:
صراع بين حماة النظام المدني والمعنوي والسياسي الأوروبي القديم، وبين مجموعة من الملاحدة المتعصبين الطامحين لتغيير كل ذلك. فالقضية لم تكن تتعلق بتوسيع رقعة الإمبراطورية الفرنسية لضم دول جديدة، ولكنها تعلقت بطائفة تسعى لإقامة إمبراطورية عالمية.
وخلص بيرك إلى أن «هذا النظام الجديد القائم على السرقة في فرنسا لا يمكن اعتباره آمنا، و"لابد من تدميره، وإلا دمر أوروبا كلها» (7) . وفي ظل هذه الظروف، تنت الأهداف السياسية المحدودة التي سبق أن عكست الطبيعة المقيدة للخلافات الملكية أمام محاولات متطرفة؛ الهدف منها طمس الأيديولوجية المقابلة، وهو تطور ترك بصمة قوية على طبيعة الاستراتيجية."
لا يمكن كسب الحروب المتعلقة بالوجود إلا بفوز طرف وتجريد الطرف الآخر من أسلحته. هذه الظروف لم تتح أي فرصة أمام السياسة كي تمارس تأثيرها المقيد على عملية