وبهذه الصورة فإن الإسلام السياسي في النهاية يصير أداة رئيسية للمواجهة، وللحوار، وللتطعيم، وللتكامل، وللمصالحة بين هذه القوى الثقافية الكبيرة من الثقافية الإسلامية والثقافة الغربية عند أكثر المستويات حيوية، محدثة بذلك التلاؤم التدريجي والتقارب على المستوى الفكري وعلى مستوى الأساسيات الجوهرية على حد سواء. ومن الطبيعي أن لا يوجد"إسلام سياسي"واحد، والمجموعات المختلفة سوف تتحرك نحو قبول ودمج - أو رفض - أفكار ومؤسسات سياسية غربية مختارة وفق معدلات مختلفة. ولكن العملية لا مناص منها.
ستكون تركيا أول بلد ينجح في الوصول إلى مصالحة حقيقية واندماج بين التقليد الإسلامي والتقليد الغربي الليبرالي الديمقراطي. وأنا أشير هنا لا إلى النخبة العلمانية الكمالية لتركيا التي ترفض بالأساس الخبرة الإسلامية، بل إلى التركيب الجديد الذي يبرز في تركيا من خلال الإدخال التدريجي للإسلاميين العصريين إلى المؤسسات الاجتماعية والسياسية. فهذا يحدث لأن تركيا تقدمت في تأسيس مؤسسات حديثة من الحكم الديمقراطي تقدمة أكثر من أي دولة إسلامية أخرى، وهو تطور شارك فيه إسلاميو تركيا. وهكذا فواجب تركيا الآن أن تفتح نظامها الناشر للديمقراطية فتحأ كاملا وأن تصل راجعة إلى دمج تلك العناصر الاجتماعية والأيديولوجية التي سبق أن تركت في الخلف أو التي استبعدت في أثناء مشروع للتغريب القسري. إن معظم نخبة تركيا قد بدأت من قبل وهي على الطريق للاعتراف بألا مندوحة من هذا: فهم يقدرون ضرورة هذا الدمج في مصلحة الانسجام الاجتماعي، وهم يدركون أن الضغوط الموجهة من هذه العناصر الاجتماعية المستبعدة ليس بالإمكان بعد الآن تجاهلها بسهولة في دولة ديمقراطية تتطلع إلى عضوية في الاتحاد الأوروبي