الإيمان بالسلوك القويم والعمل الصالح، ويضيف هويدي قائلا: «لا أبالغ إذا قلت إن الأمل في النهوض بهذه الأمة معقود على إشاعة ذلك النوع من التدين الذي أتمنى أن تسري روحه بين أتباع كل الديانات في أوطاننا وفي المقدمة منهم المسلمون والمسيحيون.» ويدعو هويدي إلى أن تكون مهمة إحياء التدين الحضاري «على أجندة المخلصين من مثقفينا، بل ولعلي أغامر وأقول إن تلك المهمة التي أشير إليها هي في المستقبل المنظور أم المسائل بامتياز (96)
ويوضح هويدي العلاقة بين التدين الحضاري وبين مهمة بناء المجتمع، عبر المقارنة بين ذلك النوع من التدين وبين التدين الغاضب وتدين الطقوس؛ فالمتطرفون يسعون فعلا إلى تغيير المجتمع ولكنهم يفعلون ذلك من «الباب الغلط وبالأسلوب الغلط» . وكان غلطهم الأكبر هو أنهم بدأوا بمحاكمة المجتمع وإدانته سلفا، ومن ثم نشأت بينهم وبين المجتمع علاقة توتر وصدام عبر عن نفسه بأساليب شتي، تراوحت بين الحكم على المجتمع بالكفر وبين استخدام العنف ضده. «ورغم انحسار موجة العنف إلا أن هويدي يحذر من تجاهل الموضوع، لأن أسباب ذلك العنف لم تدرس على نحو جاد» ، ومن ثم لم تعالج من أي باب. وعلى ذلك فإن «الإنجاز الأمني اقترن بإخفاق ثقافي وسياسي، صحيح أننا نتحدث عن فئة استثنائية ومحدودة ولكن الصحيح -أيضا- أنها مليئة بالحيوية وعالية الصوت، ثم إن محدوديتها ينبغي ألا تغرينا بإهمالها لأن معظم النار من مستصغر الشرر (97)
وفي الأعوام الأولى للقرن الجديد، جاء التهديد الأكبر والأكثر وضوحا من الدراويش على حد قول هويدي؛ فهم لا يبالون بالمجتمع، ويفصلون الأخلاق عن المعاملات، والمسؤوليات العامة لا مكان لها في فهمهم للدين. ويعطي هويدي مثالا للدراويش بذلك الذي لديه الاستعداد لأن «يدفع مئات الألوف في بناء مسجد يحمل اسمه ويمتنع عن الإسهام في بناء مدرسة أو وحدة صحية أو إقامة صناعة صغيرة في مجتمعه» . ومنهم من يهتم بمظهره الديني غاية الاهتمام ويؤدي الصلوات في مواعيدها لكنه يتهرب من مواعيد عمله. ومنهم من لا يكف عن البسملة والحوقلة في حين لا يسلم الناس من بذاءة لسانه وخشونة طبعه.» ويقول هويدي إن ذلك النوع من التدين قد صار الأكثر شيوعا للأسف، ومن خصائصه الكسل الفكري والاجتماعي. ويشرح هويدي ما قصده بالدراويش بقوله إنها «تلك الشريحة الواسعة من الناس الذين يشيع بينهم ما يمكن أن نسميه بالتدين الشعبي من حيث إنهم