وبهذا نعرف أن رمي الجمرات ما هو إلا عبادة محضة، تعبد محض، وتذلل محض، وإلا فما الفائدة من أن نأخذ حصيات بصفة معينة ونرميها في هذا المكان على وجه معين؟ ليس إلا مجرد التسليم للعبادة، كما قال عمر في تقبيل الحجر: لولا أني رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقبلك ما قبَّلتك (18) . وبهذا يظهر كمال الذل والتعبد لله عز وجل؛ أن الإنسان يأخذ الحصى معه من رحله إلى المكان ويرمي تعبدًا لله وتأسيًا برسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وقد جاء في حديث فيه نظر: «إِنَّمَا جُعِلَ الطَّوَافُ بِالْبَيْتِ وَبِالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ وَرَمْيِ الْجِمَارِ لِإِقَامَةِ ذِكْرِ اللَّهِ» (19) . ورمي الجمار فيه ذكر الله القولي والفعلي؛ القولي التكبير عند كل حصاة، والفعلي رمي الحصاة، فإن هذا ذكر لله عز وجل.
وأما القول بأنه يرمي الشيطان، فهذا ليس بصحيح، لو كنا نرمي الشيطان لكنا نقول عند الرمي: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، لكننا لا نرمي الشيطان.
خذ بناء على هذه العقيدة التي ليس لها أصل كيف يأتي الناس الجهال لرمي الجمرات؟ يأتون بعنف شديد جدًّا جدًّا ويشتمون ويلعنون، حتى إنه بلغنا أن بعضهم يضرب بحصاة كبيرة ويشتم ويقول: عليك لعنة الله، أنت اللي فرَّقت بيني وبين زوجتي شوف، سبحان الله!
وأنا شاهدت بعيني رجلًا وامرأته قبل الزحامات هذه الشديدة في جمرة العقبة، كانت جمرة العقبة فيها جبل من الخلف، ما أحد يصعد للجبل وفيها حوض، هو جالس على شفا الحوض ومعه كنادر يضرب العمود هو وزوجته، امرأة معه ما أدري زوجته ولَّا غيرها، والحصى يضربهم، سبحان الله! ولا يتحركون، هذا العجيب. فكأنما يقولون:
هَلْ أَنْتِ إِلَّا إِصْبِعٌ دَمِيتِ
وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ مَا لَقِيتِ