فهرس الكتاب

الصفحة 399 من 681

والبعض الآخر فسره بالنهي عن بيعتين في بيعة، وسيأتي بيانها.

والبعض قال: المقصود شرطان يلزم منهما محذور شرعي هما المنهي عنه، كأن يكون في الشرطين جهالة أو ظلم أو ربا أو غير ذلك من الأمور التي نهى عنها الشارع.

والذي جعل هؤلاء يفسرونه بخلاف ظاهره: الحديث الذي قال فيه النبي - صلى الله عليه وسلم: » أيما شرط ليس في كتاب الله فهو باطل» [1] ، فمفهومه كل شرط لا يخالف كتاب الله فهو حق سواء كان واحدًا أو اثنين أو أكثر. والله أعلم

قال الترمذي (1234) : قال أحمد -أي ابن حنبل-: إذا قال: أبيعك هذا الثوب وعليّ خياطته وقصارته؛ فهذا من نحو شرطين في بيع، وإذا قال: أبيعكه وعلي خياطته فلا بأس به، أو قال: أبيعكه وعلي قصارته فلا بأس به؛ إنما هو شرط واحد. انتهى

وقال ابن عثيمين رحمه الله: والصحيح جواز الجمع بين شرطين، بل بين ثلاثة شروط وأربعة شروط، حسب ما يتفقان عليه، والحديث لا يدل على هذا بوجه من الوجوه، وإنما المراد بقول النبي صلّى الله عليه وسلّم: «ولا شرطان في بيع» ، الشرطان اللذان يلزم منهما محذور شرعي، وهذا الجمع بين شرطين فيما ذكر، لا يلزم منه محذور شرعي، كالجهل، والظلم، والربا، وما أشبه ذلك.

ويقال: ألستم تجيزون أن يشترط المشتري على البائع كون العبد مسلمًا وكاتبًا؟ فسيقولون: بلى.

فنقول: هذان شرطان في البيع، وأنتم تقولون: إن هذا جائز، فأي فرق؟ ! وعلى هذا فلو شرط حمل الحطب، وتكسيره، وإدخاله في المكان المعد له في البيت لكان هذا الشرط صحيحًا، ولو كانت ثلاثة شروط؛ لأنها شروط معلومة، ولا تستلزم محذورًا شرعيًّا، والأصل في المعاملات الحل والإباحة، فتبين لنا الآن أن الشروط الصحيحة تنقسم إلى ثلاثة أقسام:

الأول: قسم ثابت، سواء شرط أم لم يشترط؛ لأنه من مقتضى العقد، مثل تسليم البائع المبيع والمشتري الثمن، وكون الثمن حالًّا، وما أشبه ذلك مما لا يحتاج إلى شرط، فهذا إذا شرط فهو توكيد، ولو جمع ألف شرط من هذا النوع فإنه يصح.

الثاني: ما يتعلق بمصلحة العقد وليس نفعًا مستقلًا، أي: ليس نفعًا ينتفع به البائع أو المشتري، ولكنه من مصلحة العقد، مثل: الرهن، وكون العبد كاتبًا، والأمة بكرًا، والدابة هملاجة وما أشبه ذلك.

الثالث: شرط نفع إما للبائع وإما للمشتري، والذي للبائع، مثل أن يشترط إذا باع داره سكناها شهرًا، والذي للمشتري، مثل أن يشترط على البائع أن يحمل الحطب وما أشبه ذلك، فهذان النوعان إذا جمع فيهما بين شرطين، كان البيع على ما ذهب إليه المؤلف ـ وهو المذهب ـ فاسدًا، والصواب أنه صحيح ولا بأس به. انتهى من زاد المستقنع.

(1) أخرجه البخاري (2729) ، ومسلم (1504) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت