فهرس الكتاب

الصفحة 96 من 198

= إن طوائف البدع استغلت هذا الأمر فأدخلت البدع الشنيعة في الإسلام تحت قولهم رأيت الخضر، وسمعت من الخضر.

وللناس في حققة الخضر ثلاثة أقوال:

1 -أنه ملك من الملائكة، ذكر هذا القول النووي رَحِمَهُ اللهُ في"شرحه على مسلم": (15/ 136) ، ولم ينسبه لأحد بل قال أنه غريب وباطل.

2 -أنه ولي - أي: رجل صالح - وإليه ذهب عامة الصوفية ومنهم القشيري.

3 -أنه نبي وإليه ذهب كثير من العلماء كالقرطبي وابن حجر ونسب الألوسي في"رُوح المعاني": (15/ 19) القول بنبوة الخضر إلى الجمهور.

وهذا هو القول الراجح إن شاء الله وإليك بعض الأدلة على ذلك:

1 -قال تعالى: {فَوَجَدَا عَبْدًا مِنْ عِبَادِنَا آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْمًا} [الكهف: 65] . وهذا العلم اللدني المعطى للخضر عَلَيْهِ السَّلَام وإن لم يبين هنا فهو ولا شك واضح وأن الله أوحى إليه وجعله نبيًّا. وقد قال الله عزَّ وجلَّ: {وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ} [الشورى: 51] . فالخضر كذلك أوحى الله عزَّ وجلَّ إليه بوحي.

قال الألوسي رَحِمَهُ اللهُ: (والجمهور على أنها الوحي والنبوة) : (15/ 19) .

قال تعالى: {وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي} [الكهف: 82] ففي هذه الآية دليل على أن الله عزَّ وجلَّ أمر الخضر عَلَيْهِ السَّلَام أن يفعل ما فعل من خرق السفينة وقتل الغلام وأن الخضر إنما عمله بوحي من الله، فهذه الآيات تدل دلالة واضحة على أن الله عزَّ وجلَّ قد أوحى للخضر عَلَيْهِ السَّلَام. وموسى عَلَيْهِ السَّلَام لا يعلم الغيب فلما رأى هذه الأعمال أنكرها - وحق له - لكنه لما أخبر أنها من أمر الله سكت وسلم.

ولذلك أيضًا سلم إسماعيل عَلَيْهِ السَّلَام نفسه لأبيه إبراهيم لما قال له: {يَابُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَاأَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ} [الصافات: 102] .

فإسماعيل عرف أن هذه الرؤية أمر من الله فلذلك قال: يا أبت افعل ما تؤمر. ولو لم يكن إبراهيم نبيًّا لما قال إسماعيل: افعل ما تؤمر، وتخيل أن عابدًا من العباد في هذا الزمان قد ظهر صلاحه وقبض على طفل وأراد قتله بحجة أنه طبع كافرًا فما موقف الناس منه لا شك أنهم سيقودونه به ويقتلونه، بخلاف الأنبياء - عَلَيْهِمُ السَّلَام - فإن جميع ما يأتونه من أمر الله عزَّ وجلَّ.

وقد تمسك بقضية الخضر عامة الصوفية حتى شرعوا لأنفسهم دينًا جديدًا بعيدًا عن الكتاب والسُّنة.

قال ابن أبي العز الحنفي رَحِمَهُ اللهُ: (وأما من يتعلق بقصة موسى مع الخضر - عليهما السلام - في تجويز الإستغناء عن الوحي بالعلم اللدني الذي يدعيه بعضِ من عدم التوفيق فهو ملحد زنديق. فإن موسى عَلَيْهِ السَّلَام لم يكن مبعوثًا إلى الخضر ولم يكن الخضر مأمورًا بمتابعته؛ ولهذا قال: أنت موسى بني إسرائيل؟ =

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت