أيِّ مكانٍ أدَّيتمُ الصلاةَ وتوجهتُمْ فيهِ نحوَ القِبلة، فهُناكَ الجهةُ التي أمرَ اللهُ بها، وعِلمُهُ محيطٌ بجميعِ المعلومات، وهوَ برحمتهِ يريدُ التوسِعةَ على عبادِه، فهوَ العليمُ بمصالحِهمْ وأعمالِهمْ في الأماكنِ كلِّها.
وفي حديثٍ قدْ يَكونُ حسَنًا بشواهده، أنَّ طائفةً منَ الصحابةِ كانوا في سَرِيَّة، فاختلفوا في اتجاهِ القِبلةِ ليلًا، فلمّا أصبحوا تبيَّنَ أنَّهمْ اتَّجهوا إلى غيرِ القِبلةِ في صلاتِهم، فنزلتِ الآيةُ الكريمة.
وقالَ ابنُ الجوزيِّ في"نواسخِ القرآن": هذا الحكمُ باقٍ عندَنا، وإنَّ منِ اشتَبَهتْ عليهِ القِبلةُ فصلَّى بالاجتِهاد، فصَلاتُهُ مجزيَّةٌ صَحيحَة.
{وَقَالُوا اتَّخَذَ اللّهُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَل لَّهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ كُلٌّ لَّهُ قَانِتُونَ} [البقرة: 116]
116 -وقالتِ النصارَى ومنْ أشْبَهَهُمْ منَ اليهود، وبعضُ مشركي العرب: اتَّخذَ اللهُ ولدًا! تَقَدَّسَ وتعالَى عنْ ذلكَ علوًّا كبيرًا. لقدْ كذَبوا واقْتَرَفُوا إثمًا كبيرًا بهذا القول، فلهُ تعالى مُلكُ السماواتِ والأرض، وهوَ المتصرِّفُ في أحيائها وجماداتِها، وهوَ خالِقُهمْ ورازِقُهم، ومسيِّرُهمْ كما يَشاء، فالجميعُ عبيدٌ له ومُلكٌ له، فكيفَ يَكونُ لهُ ولدٌ منهم، والولدُ يَكونُ مُتَوَلِّدًا مِنْ شَيئينِ مُتناسِبَين، واللهُ ليسَ لهُ مثيلٌ ولا نَظير، ولا صَاحِبَةَ له، فكيفَ يَكونُ لهُ ولد؟ فهو الربُّ، والكلُّ مَربُوبٌ تحتَ مَشِيئتِه.
{بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَإِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُن فَيَكُونُ} [البقرة: 117]
117 -خالقُ السماواتِ والأرضِ على غيرِ مثالٍ سَبَق، في وَحدةٍ وتَناسقٍ كونيٍّ رائع، وهَندسَةٍ ونظامٍ فائق، وتَوازنٍ بيئيٍّ وحيوانيِّ مُوافِق، تَدُلُّ جميعُها على