الأحياءِ في الكونِ كلِّه، فيَداهُ مَبسوطتانِ بالعَطاء، فهوَ ذو فَضلٍ عَميمٍ وعَطاءٍ جَزيل، لا تَنْفَدُ خزائنُه، يُنفِقُ كما يَشاء، مِنْ توسيعٍ على عبادٍ له، أو تَضييقٍ في الرزقِ على آخَرينَ منهم، وما قالوهُ هنا هوَ مِنْ كفرِياتِهم، وسوفَ يَزيدونَ عليها ويَتمادَونَ فيها، فيَكفرونَ بآياتٍ أخرَى تَنزِلُ عليك، فيزدادونَ بذلكَ تَكذيبًا وكُفرًا على كفرِهم.
وألقَينا بينَ بعضِهمُ البعضِ عداواتٍ وأحقادًا، فصاروا فِرَقًا وجماعاتٍ لا تَكادُ تَتوافَقُ قلوبُهمْ ولا تَتَّحِدُ كلمتُهم؛ لكثرةِ اختلافِهمْ وخُصوماتِهمْ وجدالِهمْ في دينِهم، فصاروا مُتباغِضينَ مُتخاصِمين، وسيَكونُ هذا شأنَهمْ إلى يومِ القيامة.
وكلَّما أرادوا أنْ يَكيدوك، أو يُشعِلوا حربًا ضدَّ المسلِمين، بأساليبِهمُ الخبيثةِ ومكرِهمُ السيِّئِ وفتنَتِهمْ بينَ الأقوامِ والجماعات، أطفأها الله، فردَّ كيدَهمْ وقهرَهم، ونصرَ نبيَّهُ ودينَه. وهذا مِنْ سَجيَّتهمْ، فإنَّ شأنَهمُ الإفسادُ في الأرض، بالكيدِ لأهلِ الحقّ، وإثارةِ الشرِّ والفِتنة، وإيقادِ نيرانِ الحروب، واللهُ يَبغَضُ هذهِ الصفاتِ وأهلَها، و يَجزيهمْ على ذلكَ سُوءَ العَذاب.
{وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَكَفَّرْنَا عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلأدْخَلْنَاهُمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ} [المائدة: 65]
65 -ولو أنَّ أهلَ الكتابِ منَ اليهودِ والنَّصارَى آمَنوا باللهِ ورَسولِه، وابتَعدوا عمّا نُهوا عنهُ منَ المحرَّماتِ والمآثِم؛ لغفَرنا لهمْ ذنوبَهمُ التي اقتَرفوها، ولأدخَلناهُمْ جنّاتِ اللهِ الدائمَة، يَتنعَّمونَ فيها سُعداءَ خالدين.
{وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالإِنجِيلَ وَمَا أُنزِلَ إِلَيهِم مِّن رَّبِّهِمْ لأكَلُوا مِن فَوْقِهِمْ وَمِن تَحْتِ أَرْجُلِهِم مِّنْهُمْ أُمَّةٌ مُّقْتَصِدَةٌ وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ سَاء مَا يَعْمَلُونَ} [المائدة: 66]
66 -ولو أنَّ أهلَ الكتابِ أقامُوا أحكامَ التوراةِ والإنجيلِ كما أُنزِلتْ مِنْ غيرِ تَحريفٍ ولا تَبديل، ومِنْ ذلكَ مبشِّراتُ بعثةِ الرسُولِ محمَّدٍ صلى اللهُ عليهِ وسلَّم، وما أُنزِلَ إليهمْ منْ ربِّهمْ مِنْ كتُبٍ على أنبياءِ بَني إسرائيل، ففيها كذلكَ البِشارةُ بهِ صلى اللهُ عليهِ وسلَّم.
أو أنَّ المقصودَ الإيمانُ بالقُرآنِ الكريم، لو فَعلوا ذلكَ لوسَّعَ اللهُ لهمْ في الرِّزق، فنَزلتْ عليهمُ السَّماءُ بالمطَر، وأخرَجتْ لهمُ الأرضُ النَّباتَ والثَّمَر.