فهرس الكتاب

الصفحة 370 من 1309

مِنَ الْبَلَاءِ، وَهَذَا مِنَ الْأَدَبِ الْعَجِيبِ.

وَرَابِعُهَا: بَرَاءَةُ حَالِهِ عَنْ جَمِيعِ أَنْوَاعِ التُّهَمِ، فَإِنَّ الْخَصْمَ أَقَرَّ لَهُ بِالطَّهَارَةِ وَالنَّزَاهَةِ وَالْبَرَاءَةِ عَنِ الْجُرْمِ.

وَخَامِسُهَا: أَنَّ الشَّرَابِيَّ وَصَفَ لَهُ جِدَّهُ فِي الطَّاعَاتِ وَاجْتِهَادَهُ فِي الْإِحْسَانِ إِلَى الَّذِينَ كَانُوا فِي السِّجْنِ.

وَسَادِسُهَا: أَنَّهُ بَقِيَ فِي السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ.

وَهَذِهِ الْأُمُورُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهَا يُوجِبُ حُسْنَ الِاعْتِقَادِ فِي الْإِنْسَانِ، فَكَيْفَ مَجْمُوعُهَا؟ فَلِهَذَا السَّبَبِ حَسُنَ اعْتِقَادُ الْمَلِكِ فِيهِ، وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ شَيْئًا جَمَعَ أَسْبَابَهُ وَقَوَّاهَا.

إِذَا عَرَفْتَ هَذَا فَنَقُولُ: لَمَّا ظَهَرَ لِلْمَلِكِ هَذِهِ الْأَحْوَالُ مِنْ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلَامُ رَغِبَ أَنْ يَتَّخِذَهُ لِنَفْسِهِ فَقَالَ: (ائْتُونِي بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي) رُوِيَ أَنَّ الرَّسُولَ قَالَ لِيُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلَامُ: قُمْ إِلَى الْمَلِكِ مُتَنَظِّفًا مِنْ دَرَنِ السِّجْنِ بِالثِّيَابِ النَّظِيفَةِ وَالْهَيْئَةِ الْحَسَنَةِ؛ فَكَتَبَ عَلَى بَابِ السِّجْنِ: هَذِهِ مَنَازِلُ الْبَلْوَى، وَقُبُورُ الْأَحْيَاءِ، وَشَمَاتَةُ الْأَعْدَاءِ، وَتَجْرِبَةُ الْأَصْدِقَاءِ، وَلَمَّا دَخَلَ عَلَيْهِ قَالَ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ بِخَيْرِكَ مِنْ خَيْرِهِ وَأَعُوذُ بِعِزَّتِكَ وَقُدْرَتِكَ مِنْ شَرِّهِ، ثُمَّ دَخَلَ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَدَعَا لَهُ بِالْعِبْرَانِيَّةِ.

وَالِاسْتِخْلَاصُ طَلَبُ خُلُوصِ الشَّيْءِ مِنْ شَوَائِبِ الِاشْتِرَاكِ، وَهَذَا الْمَلِكُ طَلَبَ أَنْ يَكُونَ يُوسُفُ لَهُ وَحْدَهُ، وَأَنَّهُ لَا يُشَارِكُهُ فِيهِ غَيْرُهُ؛ لِأَنَّ عَادَةَ الْمُلُوكِ أَنْ يَنْفَرِدُوا

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت