الْأَوَّلُ: أَنَّ قَوْلَ يُوسُفَ: (اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ) يَدُلُّ عَلَيْهِ.
الثَّانِي: أَنَّ قَوْلَهُ: (أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي) يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ قَبْلَ ذَلِكَ مَا كَانَ خَالِصًا لَهُ، وَقَدْ كَانَ يُوسُفُ عَلَيْهِ السَّلَامُ قَبْلَ ذَلِكَ خَالِصًا لِلْعَزِيزِ، فَدَلَّ هَذَا عَلَى أَنَّ هَذَا الْمَلِكَ هُوَ الْمَلِكُ الْأَكْبَرُ:
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: ذَكَرُوا أَنَّ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلَامُ دَخَلَ عَلَى يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلَامُ وَهُوَ فِي الْحَبْسِ وَقَالَ: (قُلِ اللَّهُمَّ اجْعَلْ لِي مِنْ عِنْدِكَ فَرَجًا وَمَخْرَجًا، وَارْزُقْنِي مِنْ حَيْثُ لَا أَحْتَسِبُ) فَقَبِلَ اللَّهُ دُعَاءَهُ وَأَظْهَرَ هَذَا السَّبَبَ فِي تَخْلِيصِهِ مِنَ السِّجْنِ.
وَتَقْرِيرُ الْكَلَامِ: أَنَّ الْمَلِكَ عَظُمَ اعْتِقَادُهُ فِي يُوسُفَ لِوُجُوهٍ:
أَحَدُهَا: أَنَّهُ عَظُمَ اعْتِقَادُهُ فِي عِلْمِهِ، وَذَلِكَ لِأَنَّهُ لَمَّا عَجَزَ الْقَوْمُ عَنِ الْجَوَابِ وَقَدَرَ هُوَ عَلَى الْجَوَابِ الْمُوَافِقِ الَّذِي يَشْهَدُ الْعَقْلُ بِصِحَّتِهِ مَالَ الطَّبْعُ إِلَيْهِ.
وَثَانِيهَا: أَنَّهُ عَظُمَ اعْتِقَادُهُ فِي صَبْرِهِ وَثَبَاتِهِ، وَذَلِكَ لِأَنَّهُ بَعْدَ أَنْ بَقِيَ فِي السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ لَمَّا أَذِنَ لَهُ فِي الْخُرُوجِ مَا أَسْرَعَ إِلَى الْخُرُوجِ، بَلْ صَبَرَ وَتَوَقَّفَ وَطَلَبَ أَوَّلًا مَا يَدُلُّ عَلَى بَرَاءَةِ حَالِهِ عَنْ جَمِيعِ التُّهَمِ.
وَثَالِثُهَا: أَنَّهُ عَظُمَ اعْتِقَادُهُ فِي حُسْنِ أَدَبِهِ، وَذَلِكَ لِأَنَّهُ اقْتَصَرَ عَلَى قَوْلِهِ: (مَا بَالُ النِّسْوَةِ اللَّاتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ) (يُوسُفَ: 50) وَإِنْ كَانَ غَرَضُهُ ذِكْرَ امْرَأَةِ الْعَزِيزِ فَسَتَرَ ذِكْرَهَا، وَتَعَرَّضَ لِأَمْرِ سَائِرِ النِّسْوَةِ مَعَ أَنَّهُ وَصَلَ إِلَيْهِ مِنْ جِهَتِهَا أَنْوَاعٌ عَظِيمَةٌ