إذًا فالكرامات ثابتة مستقرة لأولياء الله نؤمن بها ونقر، كما أن المعجزات ثابتة مستقرة لأنبياء الله نؤمن بها ونقر، لكن- أيها الإخوة- ينبغي أن توضع هذه الكرامات في مكانها الشرعي الصحيح دون زيادة بها أو نقصان وهذا هو عنصرنا الثاني من عناصر اللقاء:
مخالفات مرذولة ومبالغات غير مقبولة:
أيها الإخوة! الولي عبد كريم على ربه نال كرامته من عبوديته، فلا ينبغي على الإطلاق أن يزعم ذلك العبد أو يُزعَم فيه ما يهز هذا السبب، لأن باهتزازه حتمًا تهتز مكانته التي تبوأها بهذا السبب، فتضيع هذه المكانة، ولذا كان من عقيدة أهل السنة والجماعة أن للكرامة شروطًا حتى تكون فعلًا كرامة وإلا كانت استدراجًا وإهانة، كما في الحديث الذي أخرجه أحمد وغيره بسند صحيح كما في صحيح الجامع من حديث عقبة بن عامر، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"إذا رأيت الله يُعْطِي العبدَ من الدنيا على مَعاصيه ما يُحِبُّ، فإنما هو اسْتِدْرَاج". ثم تلا رسول الله صلى الله عليه وسلم {فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ} . [1]
نعم للكرامة شروط وآداب حتى تكون كرامة وإلا تحولت إلى استدراج وإهانة فمن شرائط الكرامة ألا تخرج عن الشرع المطهر فلا تحل حرامًا أو تحرم حلالًا فمن انقطع عن الصلاة بزعم أنه وصل إلى حد اليقين وأن الله تعالى يقول وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ (99) [الحجر: 99] ويقول هذا الذي لم يفهم عن الله مراده: خلاص أنا وصلت إلى حد اليقين ويزعم من هنا أنه أسقطت عنه التكاليف فيترك الصلاة ويشرب الخمر ويزني ويأتي المنكرات ويدع الواجبات ويسمونه ولي، نعم والله يسمونه ولى، لقد صمت أذناي وأنا أسمع رجلًا يشغل أحد أخطر المنصبين الدينيين في بلدنا وهو يحكي قصة شيخ من شيوخه العظام الكبار الذي يسلك عندهم في سلك كبار الأولياء، هذا الولي دخلت عليه امرأة جميلة تسأله وتستفتيه فأشار إليها ذلك الولي إلى حجرة عنده واستجابت المرأة للإشارة فدخلت الحجرة ودخل الولى! وراءها وأغلق الباب وبعد زمان خرجا فلما خرج لم يجد أحدًا من طلابه إلا واحدًا فقال: أين إخوانك، أين الطلبة؟ قال: ذهبوا جميعًا قال: ولم؟ قال لما دخلت بالمرأة الحجرة وخلوت بها نفروا وذهبوا مغضبين، قال: وأنت ما أجلسك؟ يقول الشيخ القاصُّ: فقال له الطالب: أسخن لك الماء، جلس يسخن له الماء فقال: ولماذا ما ذهبت مع زملائك؟ قال: ما اتبعتك على أنك نبى؟ ثم أردف الشيخ الكبيرالقصة ليداري ويوارى عوارها بقوله: قيل لعبد القادر: أيزني الولي؟ قال:"وكان أمر الله قدرًا مقدورًا"، ثم قال الشيخ الكبير!: وتلميذ المرسي أبي العباس ضبطوه
(1) أخرجه أحمد (4/ 145) ، ابن جرير في"التفسير" (7/ 115) ، عن أبي الصلت والدولابي في"الكنى" (1/ 111) ، وابن أبي الدنيا في كتاب الشكر (32) ، وصححه الألباني في"السلسلة الصحيحة"1/ 700.