فهرس الكتاب

الصفحة 88 من 392

قال العلامة أبو المظفر في تاريخ مرآة الزمان:(وكانت خلافته متضادة بين شجاعة وإقدام، وجبن وإحجام، ومحبة للعلم وانتقام من العلماء، وميل إلى الصلاح وقتل الصلحاء. وكان الغالب عليه السخاء؛ وربما بخل بما لم يبخل به أحدٌ قط.

وأقام يلبس الصوف سبع سنين، وامتنع من دخول الحمام؛ وأقام سنين يجلس في الشمس ليلا ونهارا، ثم عنًّ له أن يجلس في الظلمة فجلس فيها مدة. وقتل العلماء والكتَّاب والأماثل ما لا يحصى وكتب على المساجد والجوامع سب أبي بكر وعمر وعثمان وعائشة وطلحة والزبير ومعاوية وعمرو بن العاص رضي الله عنهم في سنة خمس وتسعين وثلاث مئة، ثم محاه سنة سبع وتسعين؛ وأمر بقتل الكلاب وبيع الفُقاع، [1] ثم نهى عنه، ورفع المكوس عن البلاد وعما يباع فيها، ونهى عن النجوم، وكان ينظر فيها، ونفى المنجمين وكان يرصدها؛ ويخدم زحل وطالعه المريخ، ولهذا كان يسفك الدماء، وبنى جامع القاهرة، وجامع راشدة على النيل بمصر، ومساجد كثيرة، ونقل إليها المصاحف المفضضة والستور الحرير وقناديل الذهب والفضة؛ ومنع من صلاة التراويح عشر سنين، ثم أباحها وقطع الكروم ومنع بيع العنب، ولم يبق في ولايته كرما؛ وأراق خمسة آلاف جرة عسل في البحر خوفا من أن تفعل نبيذا؛ ومنع النساء من الخروج من بيوتهن ليلا ونهارا؛ وجعل لأهل الذمة علامات يعرفون بها، وألبس اليهود العمائم السود، وأمر ألا يركبوا مع المسلمين في سفينة، وألا يستخدموا غلاما مسلما، ولا يركبوا حمار مسلم، ولا يدخلوا مع المسلمين حماما، وجعل لهم حمامات على حدة؛ ولم يبق في ولايته ديرا ولا كنيسة إلا هدمها؛ ونهى عن تقبيل الأرض بين يديه والصلاة عليه في الخطب والمكاتبات؛ وجعل مكان الصلاة عليه: السلام على أمير المؤمنين، ثم رجع عن ذلك، واسلم خلق من أهل الذمة خوفا منه ثم ارتدوا؛ وأعاد الكنائس إلى حالها)انتهى كلام أبي المظفر.

قال الحافظ أبو عبد الله الذهبي في تاريخ: (كان جوادا سمحا، خبيثا ماكرا، رديء الاعتقاد، سفاكا للدماء؛ قتل عددا كبيرا من كبراء دولته صبرا؛ وكان عجيب السيرة، يخترع كل وقت أمورا وأحكاما يحمل الرعية عليها؛ فأمر بكتب سب الصحابة على أبواب المساجد والشوارع، وأمر العمال بالسب في الأقطار في سنة خمس وتسعين وثلاث مئة، وأمر بقتل الكلاب في مملكته وبطَّل الفقاع والملوخِيّا؛ ونهى عن السمك وظَفِر بمن باع ذلك فقتلهم؛ ونهى في سنة اثنتين وأربع مئة عن بيع الرطب ثم جمع منه شيئا عظيما فأحرق الكل؛ ومنع من بيع العنب وأباد كثيرا من الكروم؛ وأمر النصارى بأن تعمل في أعناقهم الصلبان، وأن يكون طول الصليب ذراعا وزنته خمسة أرطال بالمصري؛ وأمر اليهود أن يحملوا في أعناقهم قَرَامي الخشب في زنة الصلبان أيضا، وأن يلبسوا العمائم السود، ولا يكتروا من مسلم بهيمة، وأن يدخلوا الحمام بالصلبان، ثم أفرد لهم حمامات. وفي العام أمر بهدم الكنيسة المعروفة بالقمامة. ولما أرسل إليه ابن باديس ينكر عليه أفعاله، أراد استمالته فأظهر التفقه وحمل في كمه الدفاتر وطلب إليه فقيهين وأمرهما بتدريس مذهب مالك في الجامع؛ ثم بدا له فقتلهما صبرًا؛ وأذِن للنصارى الذين أكرههم إلى الإسلام في الرجوع إلى الشرك. وفي سنة أربع وأربع مئة منع النساء من الخروج في الطريق، ومنع من عمل الخفاف لهن؛ فلم يزلن ممنوعات سبع سنين وسبعة أشهر حتى مات. ثم إنه بعد مدة أمر ببناء ما كان أمر بهدمه من الكنائس. وكان أبوه العزيز قد ابتدأ ببناء جامعه

(1) - والفُقَّاعُ: شَراب يتخذ من الشعير سمي به لما يعلوه من الزَّبَدِ. لسان العرب ج: 8 ص: 256

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت