ثم قال: [فتعرّض النظام الشيعي الذي حكم مصر زمن الفاطميين إلى نقد وتجريح من المفكرين والمؤرخين السنيين، والأهم من ذلك أنّ مصر ومجتمعها وحضارتها وإنجازاتها قد تعرضت هي الأخرى من هؤلاء المفكرين والمؤرخين إلى مواقف تراوحت بين النقد الظالم أو التشويه أو الإهمال والإغفال] [1] .
ويريد إبراز دور القاهرة فيقول: [إن إقامة هذا البناء لم يكن بدء ميلاد هذه العاصمة، كما أن الموقع الذي أقامها عليه جوهر لم يكن اختيارًا مطلقًا من جانب هذا القائد الفاطمي الكبير، فمنذ أن قام في مصر الفرعونية حكم الملك العظيم (مينا) الذي وحّد شمال البلاد مع جنوبها وبنى عاصمتها منفيس] [2] .
واسمع يا رعاك الله تبرير المفكر الإسلامي الكبير لعدم مقاومة المصريين للفاطميين عندما دخلوا مصر سنة 358 هـ والتي كانت قد فتحها المسلمون سنة 20 هـ يقول: [كما أنّ قرب اعتناق الجمهور المصري للإسلام وحداثة عهده بالحضارة العربية والتعريب لم يكونا يؤهلانه للتحزب الشديد والتعصب الأعمى لمواقف اعتقادية تسبب إلى خلافات سياسية] [3] .
ثم يقول: [ففي كل الفتوحات والغزوات التي عرفتها مصر سواء كانت على يد الفرس أم الرومان أم على يد العرب المسلمين زمن عمرو بن العاص ثم في عهد بني أمية وبني العباس كانت مصر لا تزيد عن مجرد ولاية تتبع معسكر كسرى أو قيصر أو عاصمة الخلافة في المدينة ثم في دمشق ثم في بغداد، أمّا الفاطميون فلقد كانوا فاتحين يريدون تحويل مصر إلى عاصمةٍ للإمبراطورية العظيمة التي امتدت تقريبًا بطول بلاد العرب المسلمين وعرضها، وإذا كانت مصر قد شهدت الفاتحين الذي يتبعون عملية الفتح باستنزاف خيراتها ليبعثوا بها إلى القواعد والمدن التي جيشت لفتحها الجيوش .. فإنها قد شهدت للمرة الأولى فاتحًا لا يرسل خيراتها خارج حدودها بل يأتي إليها في موكب جليل مهيب بعد فتحها بأربع سنوات ومعه أهل بيته وحاشية ملكه، بل وتوابيت بها رفات آبائه المهدي والقائم والمنصور] [4] .
فليهنأ محمد عمارة بهذا الاحتلال لمصر، وكونها أصبحت أول عاصمة لدولة مرتدة زنديقة، محاربة للإسلام، مناصرة لأعدائه كما شهد بذلك كل علماء الإسلام ومؤرخيهم؛ بل كما سيقوله هو مناقضًا لنفسه بعد قليل.
ثم يقول: [وإذا كانت مصر قد ظلت تشهد حكم الفاطميين لها ومنها ما يزيد قليلًا على القرنين من الزمان حتى إعادة الخطبة لبني العباس على منابرها بواسطة صلاح الدين الأيوبي فإننا نستطيع أن نقول إنّ نصف هذه الفترة تقريبًا كان على وجه الإجمال عصر ازدهار وحضارة وتقدم سجلت فيها مصر الكثير من الأيادي البيضاء على الحضارة العربية الإسلامية] [5] .
(1) - عندما أصبحت مصر عربية إسلامية ص / 7.
(2) - عندما أصبحت مصر عربية إسلامية ص / 11.
(3) - عندما أصبحت مصر عربية إسلامية ص / 21.
(4) - عندما أصبحت مصر عربية إسلامية ص / 25.
(5) - عندما أصبحت مصر عربية إسلامية ص / 32.