وأما المرجئة الذين يؤخِّرون العمل عن الإيمان فأول قائل بذلك هو الجهم بن صفوان، وهو حسب رأي المفكر عمارة - أي الجهم - الثائر ضد ظلم بني أمية، وهو الذي كان يقول - كما نقل ابن حزم: [إن الإيمان هو معرفة الله بالقلب فقط، وإن أظهر اليهودية أو النصرانية أو سائر أنواع الكفر بلسانه] [1] .
وقال عنه الإمام الذهبي [2] : [جهم بن صفوان، أبو محرز السمرقندي .. الضال المبتدع ... رأس الجهمية، هلك في زمان صغار التابعين ... زرع شرًا عظيمًا] [3] .
وقال الحافظ ابن حجر العسقلاني: [جهم بن صفوان السمرقندي ... الضال المبتدع ... كان قتْلُه سنة 128 هـ، قتله نصر بن سيار[4] والي خراسان، قال الجهم لنصر بن سيار: استبْقِني، فقال له نصر: والله لو كنت في بطني لشققته عليك لأقتلك] [5] .
وأول من قال مقولة (لا يضر مع الإيمان معصية) هو مقاتل بن سليمان [6] ، وكان مع جهم بن صفوان في سمرقند.
ووصل الأمر بالمرجئة على أصلهم"أن الإيمان هو التصديق والعمل ليس من الإيمان"حتى حكموا أن (إبليس لم يكفر بمعصية الله تعالى في ترك السجود لآدم) [7] .
وقالوا: (إن اليهود والنصارى الذين عرفوا أن محمدًا - صلى الله عليه وسلم - نبي وكتموه وتمادوا على إعلان الكفر ومحاربة النبي - صلى الله عليه وسلم - بخيبر ومن بني قريظة وغيرهم كانوا مؤمنين عند الله عز وجل أولياء لله من أهل الجنة) [8] .
بل وصل التمادي بهم إلى إثبات إيمان فرعون وغيره عندما قَصَروا الإيمان على التصديق بوجود الله، وهذه آراء غلاة المرجئة.
وغير الغالين منهم يقولون: إنه لا تضر مع الإيمان معصية، ولا يكفر إلا بالجحود. ولقد قال العلماء عنهم: إنهم من أضل ما خلق الله.
(1) - الفصل في الملل والأهواء والنحل لابن حزم (3/ 225) .
(2) - محمد بن أحمد بن عثمان بن قايماز الذهبي، شمس الدين، أبوعبد الله: حافظ، مؤرخ، علامة محقق. تركماني الأصل، من أهل ميافارقين. مولده ووفاته في دمشق. رحل القاهرة وطاف كثيرًا من البلدان، وكفّ بصره سنة 741 هـ. تصانيفه كبيرة كثيرة تقارب المائة. منها:"دول الإسلام ـ ط"جزآن، و"المشتبه في الأسماء والأنساب، والكنىَ والألقاب ـ ط"و"والعباب ـ خ"في التاريخ، و"تاريخ الإسلام الكبير ـ، و"سير أعلام النبلاء ـ ط"و"تذكرة الحفاظ.
(3) - ميزان الاعتدال (1/ 426) .
(4) - نصر بن سيار بن رافع بن حري الكناني، شيخ مضر بخراسان، ووالي بلخ ثم خراسان، غزا ما وراء النهر وأقام بمرو، هرب إلى نيسابور لمّا تغلب عليه أبومسلم الخراساني، ثم مات في بساوة، كان شاعرًا وخطيبًا، توفي سنة (131) هـ.
(5) - لسان الميزان (2/ 175) .
(6) - مقاتل بن سليمان الخراساني مولى الاَزد، أصله من بلخ وانتقل إلى البصرة وبها مات بعد خروج الهاشمية، كنيته أبوالحسن، كان يأخذ عن اليهود والنصارى علم القرآن الذي يوافق كتبهم، وكان شَبَهيًا يشبه الرب بالمخلوقين، وكان يكذب مع ذلك في الحديث. مات سنة 150 هـ
(7) - الفصل لابن حزم (5/ 75) .
(8) - الفصل لابن حزم (5/ 75) .