فهرس الكتاب

الصفحة 72 من 676

وإذا علم الإنسان هذه الحقيقة؛ أدركَ أنَّ كلَّ ما في يده عطاءٌ منَ الله مستخلَفٌ فيه ليعمل بأمر الله، فلا بُدَّ منَ الخُضُوع لله في كل التَّصَرُّفات، وإن ذلك من حقيقة التوحيد، كما أن استقرار هذه الحقيقة في الضمير، واستشعار الملكية الحقيقية لله، وأن ما في يد الإنسان عارية مؤقتة لا تلبث أن تُسْتَرَدَّ بموتٍ أو افتقار - إن ذلك كله كفيلٌ بأن يطامن من حدَّة الشَّرَه والطمع والشُّحِّ والحرص والتكالب المسؤول على حُطَام الدنيا وفتاتها.

كما أنه كفيلٌ بأن يسكب في النفس القناعة والرضا بما يحصل منَ الرِّزق، واليقين بما عند الله، والثقة بوعده ونصره ورزقه وحفظه؛ لأنه الله الذي له ما في السماوات وما في الأرض.

{مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ ... } : لا مَلَك مقرَّب، ولا نبي مُرْسَل، كلهم عبيدٌ لله، فمقام العبوديَّة لا يتطاول لمقام الألوهيَّة، ومهما كان حال الرسل والأنبياء والصالحين والأولياء فإن الشفاعة لا تكون إلاَّ بإذن الله، ولمن رضي الله: {وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ (28) } [1] .

إن أصل الشفاعة ثابتٌ معلومٌ؛ لكنَّه للمؤمنين الموحِّدين، عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم:"لِكُلِّ نَبِيٍّ دَعْوَةٌ مُسْتَجَابَةٌ، فَتَعَجَّلَ كُلُّ نَبِيٍّ دَعْوَتَهُ، وَإِنِّي اخْتَبَأْتُ دَعْوَتِي شَفَاعَةً لِأُمَّتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَهِيَ نَائِلَةٌ إِنْ شَاءَ اللَّهُ، مَنْ مَاتَ مِنْ أُمَّتِي لَا يُشْرِكُ بِاللَّهِ شَيْئًا"؛ رواه مسلم، وأخرجه البخاري.

فمَن توسَّل إلى الشفاعة بالشرك فقد ضلَّ السبيل، قال الله - عزَّ وجل: {وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (18) } [2] .

(1) سورة الأنبياء

(2) سورة يونس

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت