أيها المؤمنون:
حين يثُورُ نقعُ غُبار الفتن، وتدلهمُّ ظُلُماتُ المِحَن، وتمُرُّ الأمةُ في بعض فتراتِها بما يضِلُّ فيه كثيرٌ من الناس ويزِلُّ، والفتنةُ تُقبِلُ عمياءُ مُظلِمة، يشتبِهُ فيها الحقُّ على كثيرٍ من الخلق، فهناك لا بُدَّ للمسلم من معالِمَ يسترشِدُ بها، ومناراتٍ يستدلُّ بها، ونجومٍ تهدِيه السبيل.
ذلك أن أعزَّ ما على المؤمن سلامةُ دينِه، قال - صلى الله عليه وسلم:"يُوشِكُ أَنْ يَكُونَ خَيْرَ مَالِ الْمُسْلِمِ غَنَمٌ يَتْبَعُ بِهَا شَعَفَ الْجِبَالِ وَمَوَاقِعَ الْقَطْرِ، يَفِرُّ بِدِينِهِ مِنْ الْفِتَنِ"؛ رواه البخاري.
والفِرارُ من الفتن يكونُ باللُّجوء إلى الله تعالى، كما قال - سبحانه: {فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ (50) } [1] ... وهو - سبحانه - القائل: {أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ (36) } [2] .
قال ابن القيم - رحمه الله:"الكفايةُ على قدر العبودية، فكلما ازدادت طاعتُك لله ازدادَت كفايةُ الله لك".
ومن هنا وجَّه النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى العبادة وقت الفتن، فقال:"العِبَادَةُ في الهَرجِ كَهِجرَةٍ إِلَيَّ"؛ رواه مسلم.
فهنيئًا لمؤمنٍ يركَنُ إلى الصلاة والعبادة بينما الناسُ يتهارَجون، ويُهرَعون إلى تلقُّف الأخبار وتتبُّع الشائِعات. هنيئًا لمن يطمئنُّ بالله حين تقلقُ النفوسُ وتضطربُ القلوبُ.
استيقظَ رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - ليلةً فزِعًا يقول:"سُبْحَانَ اللَّهِ، مَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الْفِتَنِ، وَمَاذَا فُتِحَ مِنَ الْخَزَائِنِ، أَيْقِظُوا صَوَاحِبَ الْحُجُرَاتِ، فَرُبَّ كَاسِيَةٍ فِي الدُّنْيَا عَارِيَةٍ يَوْمَ الْقِيَامَةِ"؛ رواه البخاري.
ففي الحديث دليلٌ على أن قيام الليل من أعظم ما يُعينُ على النجاة من الفتن.
(1) سورة الذاريات
(2) سورة الزمر