فهرس الكتاب

الصفحة 478 من 676

فالقِيَمُ نبتةٌ في الإسلام تحتضِنُها الفِطرةُ، وتُروِّيها الديانة، فإذا فسدَت الفِطرةُ وغاضَ نبعُ الدينِ لدى البشَر ذبُلَت تلك النبْتَة، واستحالَ زهرُها شوكًا، وغُصنُها حطَبًا.

ولقد كان في الجاهلية أفرادٌ لم تقوَ ظُلْمةُ الجهل في مُجتمعهم أن تغتالَ بقيَّةَ نورٍ في نُفوسهم؛ فمن من لم يشربِ الخمرَ أبدًا، ومنهم من لم يزنِ، ولم يكذِب، ولم يُخلِف الوعدَ، ومنهم من يغُضُّ طرفَه عن جارتِهِ حتى يُوارِيَ جارتَهُ مثواها.

وكانت تلك المكارمُ أشبهَ ببقايا شُموعٍ تحتضِرُ في دُجَى الليل المُعتِم حتى أشرَقَت شمسُ الرسالة، فامتلأَ ما بين الخافِقَيْن نورًا وضياءً، وتدفَّقَت القِيَمُ بين الناسِ تدفعُها إليهم آياتٌ من الوحيِ وتوجيهٌ من النبوَّةِ.

ولم يكن عجبًا أن تتضمَّن أولُ سورةٍ نزلَت من القرآن إشارةً إلى رذيلةٍ تّذِيبُ القِيَم في النفوس والمُجتمعات، ألا وهي: الطُّغيان، {كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى (6) أَنْ رَأَىهُ اسْتَغْنَى (7) } [1] .

فإذا استغنَى الإنسانُ بمالهِ أو جاهِهِ أو سُلطانِهِ تجاوزَ حدَّه وغاضَ العدلُ والشرفُ وكريمُ الخِلال، ولن ترى مُحارِبًا للقِيَم في مُجتمعات المُسلمين إلا ووسيلتُهُ هي بعضُ ما أغناهُ اللهُ به من المالِ أو الجاهِ.

أيها المسلمون:

القِيَمُ كما أنها إرثٌ جميلٌ فيجبُ أن تكون حاضِرًا مُصانًا، فتهوينُها في نفوسِ الناسِ شرٌّ، والتقليلُ من شأنها خُذلان، وإحلالُ غيرها مكانَها خِيانة، وكلما كانت القِيَمُ مُوغِلَةً في القِدَم، مسطورةً في التاريخِ كانت أنقَى وأبقَى؛ لأنها في الغالبِ إرثٌ دينيٌّ تمثَّلَتها قرونٌ فاضِلة؛ إذ لا يأتي زمانٌ إلا والذي بعده شرٌّ منه.

(1) سورة العلق

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت