فهرس الكتاب

الصفحة 42 من 676

عباد الله، إن التحذير من الإسراف، لا يعني الأمر بترك المباح لذا جاء في الآية الكريمة {يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلاَ تُسْرِفُوا إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ المُسْرِفِينَ (31) قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ (32) } [1] .

وكما أن الإسراف مذموم، فكذلك البخر والتقتير، وكنز المال والشح به، {وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلاَ يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (34) } [2] والبخل والشح من أقبح الصفات والخصال، إنما المطلوب الاعتدال فلا إسراف ولا تقتير، قال ابن القيم - رحمه الله:"إن مجاوزة الحد في كل أمر يضر بمصالح الدنيا والآخرة، بل يفسد البدن أيضًا؛ إذ إنه متى زالت أخلاقه عن حد العدل والوسط، ذهب من صحته وقوته بحسب ذلك، وهذا مفترض أيضًا في الأفعال الطبيعية كالنوم والسهر والأكل والشرب والجماع والخلوة والمخالطة وغير ذلك"؛ انتهى كلامه رحمه الله.

أيها المسلمون، ومن آفات الإسراف أنه يطبع المجتمع على الانحلال، وعدم المبالاة، والبعد عن الجد والاجتهاد، كما أنه يضيق الفقراء من حال الأغنياء، ويزرع العداوة والبغضاء حين يرون تبديدهم للثروة والعبث بها، بينما هو في الضنك والعوذ والفاقة والحاجة إلى الضروريات، وربما سعى أصحاب الدخل الضعيف أو حتى المتوسط لمجاراة الأغنياء في إنفاقهم وإسرافهم، فانقلبت كثير من موازين الاقتصاد على مستوى المجتمع وربما على مستوى الدولة، كما هو واقع في المجتمع اليوم، فمن لك بالقنوع الراضي؟!

إن الناظر في حال غالب الناس اليوم يرى أن نفقتهم تضيق بهم مع وفرة المال، وترى غالب الصرف في مجال الكماليات والمجاملات على حساب الضروريات والحاجيات، بل ترى بعض الناس يستدينون ويقترضون لا لسد الحاجة وإنما للكماليات ولمجاراة الأغنياء والمترفين، فيقلد

(1) سورة الأعراف

(2) سورة التوبة

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت