فهرس الكتاب

الصفحة 312 من 676

أصبح المؤمن الصابر على دينه كالقابض على الجمر خائفا يكبح جماح الشهوة وينهى النفس عن الهوى .. يقاوم ضعفه الفطري وشهوته الطبيعية ويجاهد نفسه الأمارة بالسوء؛ الشيطان يعده ويمنيه ويسول له ويزين، ويريد الذين يتبعون الشهوات أن يميلوا به ميلا عظيما، فكيف يسلم؟ كيف يسلم من له عدو لا ينام عن معاداته ونفس أمارة بالسوء وهوى مردٍ وشهوة غالبة وشيطان مزين وضعف مستولٍ عليه؛ فإن تولاه الله نجا وسلم وإن تخلى عنه ووكله إلى نفسه .. اجتمعت عليه هذه القوى فكانت الهلكة.

ومع كل ذلك فإن الله - عز وجل - حين خلق الإنسان وركب فيه الشهوة وابتلاه بمخالفة الهوى وسلط عليه الشيطان لم يتركه هملا، بل رزقه من القوة ما يستطيع به الصمود وزوده من العدة ما يملك معه المقاومة، وما أمر الله بشيء إلا أعان عليه وما نهى عن شيء إلا أغنى عنه.

إن طريق الجنة طريق طويل تتناثر فيه الأشواك والعقبات وتحفه المخاطر والمكاره، وإنه لا بديل لسالكه عن الصبر البتة، وهل التدين إلا في الصبر على نداء الشهوة؟ وفي الذكر الحكيم: {إِنِّي جَزَيْتُهُمُ الْيَوْمَ بِمَا صَبَرُوا أَنَّهُمْ هُمُ الْفَائِزُونَ (111) } [1] ، {وَجَزَاهُم بِمَا صَبَرُوا جَنَّةً وَحَرِيرًا (12) } [2] ... .

أيها المسلم: إن الدنيا مفازة .. فينبغي أن يكون السابق فيها العقل، وإنما فضِّل العاقل بتأمل العواقب فلا تؤثر لذة تفوِّت خيرا كثيرا، واعلم أن في ملازمة التقوى مرارات من فقد الأغراض والمشتهيات .. إلا أن العاقبة حميدة ..

في قوة قهر الهوى لذة تزيد على كل لذة وكل مغلوب بالهوى ذليل، والصبر عن الشهوة أسهل من الصبر على توجبه الشهوة، والصبر عن محارم الله أيسر من الصبر على عذاب الله

(1) سورة المؤمنون

(2) سورة الإنسان

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت