بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ، فَلْيُبَلِّغِ الشَّاهِدُ الْغَائِبَ، وَلَعَلَّ بَعْضَ مَنْ يُبَلِّغُهُ يَكُونُ أَوْعَى لَهُ مِنْ بَعْضِ مَنْ سَمِعَهُ، ثُمَّ قَالَ: أَلا هَلْ بَلَّغْتُ". رواه البخاري ومسلم."
أيها المسلمون: لقد كان نداء النبي - صلى الله عليه وسلم - في هذا الحديث العظيم في حجة الوداع .. والتي كان يودع بها العام كما يودع بها الناس ..
ونحن اليوم قد ودعنا عامًا وموسم حج، وقبل أيام أيضًا نتابع احتفال العالم بـ (يوم لحقوق الإنسان) ..
لقد وقف النبي - صلى الله عليه وسلم - ها هنا قرب الكعبة قبل ألف وأربعمائة عام وتزيد ليؤسس لحقوق الإنسان وليرسي مبادئ العدالة وميزان الحق ويلغي كل أشكال الظلم والجور في العقيدة والسلوك والفكر والقيم والعبادة والمعاملات .. حرس الدما وحرم الربا وأثبت حقوق النساء .. خطابٌ لم تسمع الدنيا بمثله ولا زال صداه يتردد عبر القرون وتتشبث بأذياله النظم والقوانين ولما تلحق به أو تجاريه.
لقد كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يعرف أنه قارب النهاية وأن الأمة التي أنشأها قد رسخت على الأرض وفرضت نفسها على التاريخ وانتقل الأذان مع الرياح الأربع، ووزعت جماعات الصلاة على أطراف الزمان تلتقي على طاعة الله قبل طلوع الشمس وبعد غروبها وعند الزوال وقبل الأصيل، وهؤلاء الذين رباهم سيمدون النور إلى ما بقي من أرض الله .. هذا الجيل الذي رباه النبي - صلى الله عليه وسلم - كان جزءًا من الرسالة التي أداها، ونشهد - والله - أنه أداها ..
فمن أجل ذلك كان يحدِّث وفي الوقت نفسه كان يودع، وفي تضاعيف حديثه كان يفرغ كل ما في فؤاده من نصح وحب وإخلاص .. فما أغلى هذه الوصية وما أبعد مداها في التاريخ لقوم يعقلون! لذلك جاء في آخر الخطاب النبوي:"أَلَا لِيُبَلِّغ الشَّاهِدُ مِنْكُمْ الْغَائِبَ"..
وقد قام أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - بهذه الأمانة خير قيام؛ فرضي الله عنهم أجمعين.