فهرس الكتاب

الصفحة 111 من 309

وقال: {قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلاقِيكُمْ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ} [الجمعة:8] .

عباد الله، إن هذه الرحلة هي رحلة الوداع، وانقضاء زمن الاستمتاع، ونهاية الحياة الفانية، وبداية الحياة الباقية، التي تبلى فيها السرائر، وتكشف فيها الضمائر؛ لحساب المكلفين على ما قدموا في عمرهم الغابر.

فمن هو المسرور في هذه الرحلة، ومن هو الحزين فيها يا عباد الله؟

إن السعيد الفرِح المشتاق إليها هو العبد المؤمن الذي ينتقل عبرها من دار العناء إلى دار الهناء، ومن دار الغربة إلى دار الوطن، ومن دار التكليف والعمل، إلى دار الجزء وبلوغ الأمل، وينتقل من مكابدة الأشواق إلى رؤية الحبيب الخلاق، تلك اللحظات التي يلاقي فيها ربه سبحانه الذي عبده بالغيب ولم يره، فكيف يكون فرحه بلقياه، وكيف لا يفرح إذن؟.

وأما الحزين الكاره لمجيئها فهو العبد المسرف على نفسه بمعصية الله؛ لأنه ينتقل في هذه الرحلة من دار الغفلة التي لها فيه، وركب الملذات والشهوات المحرمة إلى دار اليقظة التي يجد فيها جزاء تفريطه وإسرافه على نفسه، وينتقل كذلك من دار الإباق عن سيده إلى دار يلقى فيها سيده الذي عصى أوامره، وركب زواجره، مع أنه أمهله، وأغدق عليه نعمه وحلمه، فكيف لا يحزن ولا يخاف؟

عن أبي قتادة بن ربعي الأنصاري رضي الله عنه أنه كان يحدث: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مُرَّ عليه بجنازة فقال: (مستريح ومستراح منه) . قالوا: يا رسول الله، ما المستريح والمستراح منه؟ قال: (العبد المؤمن يستريح من نصب الدنيا وأذاها إلى رحمة الله، والعبد الفاجر يستريح منه العباد والبلاد والشجر والدواب) [1] . ولهذا قد تجدون بعض الصالحين تظهر الابتسامة على وجوههم، ويُرى فيها النور عند مفارقة الجسد؛ لأنهم رأوا البشرى بالوجوه المشرقة التي جاءت مع ملك الموت لقبض الروح الزكية. قال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ} [فصلت:30] .

أيها المسلمون، كثيرًا ما يتحدث المتحدثون، ويسمع السامعون عن ترقيق القلوب بذكر الموت وما فيه، ولكنْ قليلًا ما يتكلم المتكلمون، ويصل إلى أسماع المتلقين الحديثُ عن الآداب والأحكام في رحلة الموت؛ ولذلك سنتحدث اليوم-بعون الله تعالى- عن بعض تلك الآداب والأحكام.

(1) متفق عليه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت