حقيقة لغوية يمكن أن نستقرئها من كلام العرب، وهي أنَّ حروف الجر التي تتعدى بها الأفعال، غالبًا ما تصبح معانيها متقاربة، في كثير من التراكيب، وليست متطابقة، كما ادعى ابن جني، ومن المعلوم أنَّ العربي في كلامه، كثيرًا ما يقصد معاني عامة، يمكن أن يصل إليها باستعمال عدة حروف، من ذلك ما استشهد به الفراء: (( والعرب تقول: جئتُ على حال حسنة، وجئتُ بحال حسنة ) )فاستعمال (على) هنا مرة، والباء مرة أخرى، لا يعني تطابقهما البتة، وإنَّما جاز وضع أحدهما في موضع الآخر؛ لأنَّ كليهما يوصل المتكلم العربي إلى المعنى العام الذي يروم التعبير عنه، فكل ما يريده المتكلم هنا مثلًا هو التعبير عن حسن حاله عند مجيئه، سواء توصَّل إليه بالباء التي تفيد معنى الإلصاق، وقال: جثتُ بحال حسنة، أو توصَّل إليه بـ (على) التي تفيد معنى الاستعلاء، وقال: جئتُ على حال حسنة، أو توصَّل إليه باستعمال (في) التي تفيد معنى الدخول في الشيء، وقال: جئتُ في حال حسنة
وهذا جائز وحاصل في كلام البشر، لكنه غير جائز، وغير حاصل في كلام الله، فالقرآن الكريم لم يستعمل لفظًا بمعنى لفظ آخر، مهما بدا أنَّه قد وضع في موضع اللفظ الآخر: ومهما بلغت درجة تقاربهما في نظر الباحثين والدارسين، ويبدو أنَّ الذي دفع القائلين بالتضمين عجزهم، أو تقاعسهم عن كد ذهنهم، وعن إمعانهم النظر في التعرف إلى الدلالة المقصودة من استعمال الألفاظ في مواضع ألفاظ أُخَر، من ذلك ما قيل من تضمين (حقيق) معنى (حريص) [1] فلو أنَّ القائلين بالتضمين أنعموا في البحث في قضية تعدي (حقيق) بـ (على) لتوصلوا إلى ما يغنيهم عن تبني هذا القول المختلق، فقد صرَّح أبو علي النحوي بجواز تعدي (حقيق) بـ (على) بكلتا القراءتين على حد سواء [2] واستبعد ابن عطية تضمين (حقيق) معنى (حريص) [3] وقد ذكر الزمخشري أربعة أوجه في تأويل تعدي (حقيق) بـ (على) ، وقال عن الوجه االرابع: (( وهو الأوجه الأدخل في نكت القرآن أن يغرق موسى في وصف نفسه بالصدق في ذلك المقام لا سيما وقد روي أنَّ عدو الله فرعون قال له، لما قال
(1) ينظر: مجاز القرآن ص 91 وجامع البيان للطبري 9/ 19، والبرهان للزركشي ص 653.
(2) ينظر: الحجة في علل القراءات السبع 3/ 37 - 38
(3) ينظر: المحرر 2/ 435.