ثم زعمتُم - وزعمَت لكم سادتُكم ومستكبروكم - أنهم يشفعون لكم في قضاءِ الحاجاتِ، وإجابة الرغباتِ، وتفريج الكرباتِ، ثم سيمنعونكم اليومَ من سؤالِ الله وحسابِه، وشديدِ عقابِه، وأليمِ عذابِه؛ لأنكم محسوبون عليهم، وأن الله سيضطرُّ إلى محاباتِهم والنزول عند أمرِهم؛ لأنهم شركاؤه في مُلكِه، وبزعمِكم الفاسدِ وظنِّكم الكاذب انظروا ها هم اليوم مشغولونَ بأنفسِهم، خَشَعت أصواتُهم للملكِ الجبَّار المتكبِّر القهَّار، فلا تَسمَع إلا همسًا، وعَنَت وجوهُهم جميعًا للحي القيوم، وقد حقَّت الخَيْبَة والخسران لمن حَمَل ظلمًا، لقد تقطَّع بينكم ما كنتم تزعمونَ من أسباب الحبِّ والعبادة لهم وتبَّرؤوا منكم، وأَعلَنوا بتكذيبكم، ومعاداتكم والكفر بكم، وبما كنتم عليه من اتخاذِهم شركاءَ للهِ ربِّ العالمين.
أمَا حذَّرتكم في كتابي الذي كنتم تتلونَه وتسمعونَه الليلَ والنهارَ، وكنتم تتَّخِذون له المقارئ تَقضُون فيها الأوقاتَ، وتَحبِسون الحبوسَ على مَن يتَّخذ هذا الكتابَ الذي بيَّنتُ في صميمِه حِكمةَ تنزيلي له: {إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُبِينٌ * لِيُنْذِرَ مَنْ كَانَ حَيًّا وَيَحِقَّ الْقَوْلُ عَلَى الْكَافِرِينَ} [يس: 69، 70] .
كم تلوتم وسمعتُم وما كنتم تفقهون ولا تعقلون؛ لأنكم لم تحاولوا أن تتدبَّروا آياتِه، وكانت الذكرى بعيدةً عن قلوبكم الغافلةِ، بل الميتة القاسية؛ لأن أولياءكم من الجنِّ والإنسِ خدعوكم وغرُّوكم باللهِ أشدَّ الغرور؛ إذ زَعَموا لكم أن كلَّ ما فيه من آياتِ الشركِ والكفرِ، إنما هي فيمَن مَضَوا في الأزمنةِ الغابرة، وما يقصُّها القرآنُ فتتلونَها وتسمعونَها إلا كأساطير الأولين، وقصص الغابرين، وما جاءكم هذا البلاءُ إلا من التقليدِ الأعمى لأولئك السادةِ المستكبرينَ عن الإسلامِ للهِ ولرسولِه، وطال عليكم الأمدُ في هذا التقليدِ والغفلةِ؛ فماتت قلوبُكم وقَسَت، فصارت كالحجارةِ، أو أشدَّ قسوةً من الحجارة.
أما كنتم تَتْلُونَ وتَسمَعون هذه الآياتِ التي أصوِّر فيها الشركَ في أيِّ زمنٍ، وبأي اسم، وأبيِّن فيها حالَ أهلِه وعاقبتَهم؟
وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا مَكَانَكُمْ أَنْتُمْ وَشُرَكَاؤُكُمْ فَزَيَّلْنَا بَيْنَهُمْ وَقَالَ شُرَكَاؤُهُمْ مَا كُنْتُمْ إِيَّانَا تَعْبُدُونَ * فَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ إِنْ كُنَّا عَنْ عِبَادَتِكُمْ لَغَافِلِينَ