رؤية القمرِ ليلةَ البدرِ ليس في سَحَابة؟ )) ، قالوا: لا، قال: (( فو الذي نفسي بيدِه، لا تضارُّون في رؤيةِ ربِّكم إلا كما تضارُّون في رؤيةِ أحدِهما، فيلقَى العبدُ ربَّه، فيقولُ: أي فُلْ - يعنى يا فلانُ - ألم أكن أُكرِمك، وأسوِّدك، وأزوِّجك، وأسخِّر لك الخيلَ والإبلَ، وأَذَرك ترأَس وتربَع - يعنى تأخذ ربع ما يَغنِمه جيشك؟ فيقول: بلى يا رب، فيقولُ: أظننتَ أنك ملاقيَّ؟ فيقول: لا، فيقول: إني أنساك كما نَسيتَني، ثم يَلقَى الثاني، فيقول له مثل ذلك، ثم يلقى الثالث، قال: فيَسأَله كما سأل الأوَّلينِ، ثم يقولُ له: أظننتَ أنك ملاقيَّ؟ فيقول: أي رب، آمنتُ بك وبكتابِك وبرسلِك، وصلَّيت وصُمْت وتصدَّقت، ويثني بخيرٍ ما استطاع، فيقول: ههنا إذًا، ثم يقول: الآن نبعثُ شاهدًا عليك، فيتفكَّر في نفسه: من ذا الذي يشهد عليَّ؟ فيُختم على فيه، ويقالُ لفخذِه: انطقي، فتنطقُ فخِذُه ولحمُه وعظامُه بعمله؛ وذلك ليعذرَ من نفسِه ) ) [1] .
فإذا وقفوا على ربِّ العالمين وأسرعِ الحاسبين صفًّا واحدًا، ولا يَخفَى عليه منهم خافيةٌ، قال لهم: (( أليس [هذا] هو الحقَّ ) )الذي كنتم به تكذِّبون حين كنتم تظنُّون باللهِ ظنَّ السَّوء، وتجعلونَ للهِ من صفاتِ الظلمِ في الجزاء ما كنتم تَكرَهون أن تُوصَفوا به؛ إذ كنتم تزعمون - ويزعمُ لكم ساداتُكم وكُبَرَاؤكم - أن الله خلَقَكم عبَثًا، وترككم سدًى هَمَلًا، تتمتَّعون وتأكلون كما تأكلُ الأنعامُ، وتَلهون، وتتَّخذُون آياتِه الكونيةَ والقرآنيةَ هزوًا ولعبًا.
إذ كنتم تزعمون - ويزعمُ لكم ساداتُكم وكُبَرَاؤكم - أن شفعاءكم الذين زَعَمتم أنهم فيكم وفي أموالكم شركاءُ للهِ، بما كنتم تُعطُونَهم من عباداتٍ قلبيةٍ بالخوف، والرجاء، والذل، والدعاء، وماليةٍ بما كنتم تَنذِرون وتتقرَّبون إليهم بخالصِ مالِكم، وتذبحون باسمِهم - وفي أعيادِهم - مما خلق اللهُ ورزقَكم - وحدَه - من بهيمةِ الأنعامِ، وبما كنتم تَطُوفُون حول ما أُقِيم على قبورِهم من الأنصابِ، وتتمسَّحون بها وتَستَلِمون منها الأركانَ، وتَنسُكُون لها بما ينبغي ألا يُنسَك به إلا لحجِّ بيتِ اللهِ الحرامِ، وجعلتم لها شعائرَ وحُرُماتٍ عظَّمتموها أشدَّ من تعظيمِ شعائرِ الله وحرماته.
(1) أخرجه البخاري برقم (3405 - 4635 - 7001 - 773 - 6130) ، وأخرجه مسلم برقم (299) .