فهرس الكتاب

الصفحة 112 من 231

وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ * إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ [فاطر: 5، 6] .

وطالما حذَّرهم الله من كيدِه وسيِّئ مكرِه، فلم يَسمَعُوا اللهَ، وأَلقَوا بقلوبِهم وأنفسِهم إلى هذا العدوِّ؛ فأَكفَرهم باللهِ وآياتِه، ثم ها هو الله - سبحانه - يقصُّ عليهم يومَ تَنكَشِف أغطيةُ الغرورِ والتقليدِ والغباوةِ، ما سيَعتَذِر به هذا العدوُّ المُبِين، وما سيَتَنصَّل به منهم، ومما أَوقَعهم فيه، ويُلقِي التبعةَ عليهم وحدَهم؛ إذ يقولُ:

{وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلَا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ} [إبراهيم: 22] .

نعم لم يكنْ له عليهم من سلطانٍ بأصلِ الفطرةِ التي فطرهم الله الرؤوف الرحيم عليها، فلقد أعطاهم في أنفسِهم وفي الآفاقِ من آياتِ قدرتِه وحكمتِه وعزَّته ورحمتِه، وما أوحى من كتبٍ وشرائعَ، وعلمٍ وهدًى - ما يكون لهم منه أقوى حصنٍ، وأمضَى سلاحٍ يَغلِبُون به هذا العدوَّ في معركةِ الحياةِ الدنيا، ويَسلَمُون من أَسْرِه، لكنهم انسلَخوا بالتقليدِ الأعمى من كلِّ هذه الآياتِ الكونيةِ والعلميةِ، وخَرَجوا من حصنِهم، وأَلقَوا إلى عدوِّهم السَّلَمَ؛ فأَتبَعَهم فكانوا من الغَاوِين، وقَهَرهم لغباوتِهم وجهلِهم وبَلادَتِهم بسلطانِ مكرِه وتغريرِه، واستَأسَروا فدعاهم بغرورِه وشهواتِ بهيميَّتِهم الجامِحَةِ، فاتَّبعوا أهواءهم وأمانيَّهم الكاذبةَ، وسوء ظنِّهم بالله وآياته وكتبه ورسله، فكانوا كالكَلْبِ إِنْ تحمل عليه يَلْهَث: {ذَلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ * سَاءَ مَثَلًا الْقَوْمُ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَأَنْفُسَهُمْ كَانُوا يَظْلِمُونَ} [الأعراف: 176، 177] .

فهل يتفكَّر في هذه الآياتِ وأخواتِها أولئك المُنسَلِخون من آياتِ اللهِ المكذِّبون بها، الذين قَتَلوا عقولَهم وأسماعَهم وأبصارَهم بالتقليدِ الأعمى، والإخلادِ إلى أرضِ البهيميَّة؟ وهل آنَ لهم أن يَثُوبُوا إلى رشدِهم، ويَرجِعُوا إلى ربِّهم يُؤمِنُون به عليمًا حكيمًا، وبكتبِه التي أوحى بها للهدى والحقِّ، فيفهمونَها ويَعرِفُون منها ربَّهم وحقَّه في العبادةِ الخالصةِ، ويَعرِفُون رسله، فيؤمنون بهم ويعطونهم حقَّهم من الطاعةِ والاتِّباع، ويَكفُرون بالطاغوتِ الذي صدَّهم عن الله وكتبِه ورسلِه، إنهم إن فعلوا ذلك تاب الله عليهم واستَخلَصَهم من أَسْرِ الشيطانِ، وأَذهَب عنهم

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت