فهرس الكتاب

الصفحة 110 من 231

فكلُّ شيءٍ ينفصلُ عن شيءٍ يقالُ له في اللغةِ: إنه تولَّد عنه؛ فالشجرُ يتوالَد، والمعادنُ تتوالَد، وهذا لا يحتاج إلى برهانٍ ولا دليل؛ لأنه بديهي محسوس، والذين قالوا: الملائكةُ بناتُ اللهِ، [وجعلوا بينه] وبين الجِنَّة نسبًا، ليس معنى قولهم إلا ذلك، وأنها من نورِ الله، أو رُوحٌ فاض من اللهِ، وكذلك النصارى لا يقولون: إن الله تزوَّج مريمَ، كما يتزوَّج الرجالُ النساءَ، ثم استَولَدها عيسى، فإن عندهم أنَّ عيسى من جهةِ الناسوتِ ابنٌ ليوسفَ النَّجَّارِ، وإنما هو ابنُ اللهِ من جهة اللاهوتِ.

قال نوفل بن نعمة الله، في كتاب"سوسنة سليمان": إن عقيدة النصارى التي لا تَختَلِف بالنسبةِ لها الكنائسُ، أنَّ يسوعَ - الابنَ الوحيدَ المولودَ من الأبِ قبل الدهورِ من نورِ الله - مولودٌ غيرُ مخلوقٍ.

وقال القِسُّ"بوطر"في رسالةٍ سماها"الأصول والفروع": بِناءً على ما تقدَّم، يَظهَر جليًّا أن عبارةَ"الابن"لا تُشِير - كما فَهِم البعض خطأ - إلى ولادةٍ بشريةٍ، ولكنها تصفُ سريَّة فائقةً بين أُقنُومٍ وآخرَ في اللاهوتِ الواحدِ"، إلى أن قال:"وأما الولادةُ البشريةُ، فاللهُ مُنَزَّه عنها"؛ اهـ."

فمن هذا نعلمُ يقينًا أن هذه البنوَّة هي بعينِها بنوَّة: برهما، وآلهةِ قومِ نوحٍ، وقومِ هودٍ، وقومِ صالحٍ، وآلهةِ قدماءِ اليونانيين والمصريين، وبنوَّة ملوكِ اليابانِ وآلهتِهم وآلهةِ الصينِ، وأن الذي أَفَك هذه البنوَّة من قديمِ الزمنِ، هو الشيطانُ الذي أَغرَى اليهودَ وعلَّمهم كيف يَنقُلُون النصارى إلى هذه العقيدةِ بحِيَلِه ومكرِه، وأن الشيطانَ لم يفتأ يروِّج ويوحِي إلى أوليائه هذه العقيدةَ الوثنيةَ التي هي أقذرُ وأخبثُ عقيدةٍ شركيةٍ إلى اليوم، مستغلاًّ جهلَ الناسِ وغباوتَهم وعمَى بصائرِهم بالتقليدِ الأعمى الذي أعرضوا به عن تدبُّر وفهْمِ كتابِ اللهِ وهَدْي رسوله - صلى الله عليه وسلم - مصداقًا لقولِه - صلى الله عليه وسلم: (( لتركبنَّ سَننَ مَن قبلكم شبرًا بشبرٍ، وذراعًا بذراعٍ، حتى لو دَخَلوا جُحْرَ ضبٍّ لدخلتموه ) ) [1] .

(1) صحيح: السلسلة الصحيحة برقم (1348) ، ومستدرك الحاكم برقم (8404) ، وأصله أخرجه البخاري برقم (6889) ، ومسلم برقم (2669) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت