أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ [التوبة: 30، 31] .
فقول الله - سبحانه: {يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ} واضحٌ في أنهم لم يَختَرِعوا هذه العقيدةَ الكفريةَ، عقيدةَ بنوَّةِ مقدَّسِيهم للهِ، وإنما هي - كما أثبتَ التاريخُ والواقعُ الموجودُ في الهندِ وغيرها - عقيدةٌ وثنيةٌ قديمةٌ، وأن دعوى اليهودِ والنصارى أنهم أبناءُ اللهِ، وأن عُزيرًا وعيسى ابنا اللهِ - سبحانه - إنما هي على معنَى فيضِ هذا النورِ، أو الرُّوح الأول، الذي حلَّ في يعقوب، ثم في العُزَير وأحبار اليهود، وفي عيسى، ثم في القدِّيسين ورهبانِهم، ومما يدلُّ على أن الشيطانَ قد أَوحَى هذه العقيدةَ الوثنيةَ من القديمِ: أن قومَ نوحٍ كانوا يَعتَقدونها في وَدٍّ وسُوَاعٍ ويغوثَ ويعوقَ ونَسْرٍ، آلهتِهم وأوليائهم من موتى الصالحين؛ إذ يقولون لنوحٍ - عليه السلام: {مَا نَرَاكَ إِلَّا بَشَرًا مِثْلَنَا} [هود: 27] ، فماذا يَستَنكِرون من نوحٍ أن يكونَ بشرًا مثلهم، إلا ما أوحاه الشيطانُ إليهم وإلى شيوخِهم وأئمتِهم أن المقدَّسين من بنِي آدمَ الذين يتَّصِلون بالله، ويَجعلهم وسائطَ بينه وبين خَلقِه، لا بدَّ أن يكونَ فيهم من بعضِ صفات الربوبية؛ يعني الروح أو النور الذي يَجعَلهم طبقةً أعلى من البشَرِ، وأقربَ إلى الربِّ؛ لتقعَ هذه الوساطةُ على ما يعرفون من وسائطِ الخَلقِ عند الكبراءِ والرؤساءِ والملوكِ؛ إذ لا بدَّ أن يكونَ لهم من صلةِ النسبِ والقرابةِ من هؤلاء الملوك والرؤساء ما يمكِّنُهم من الوساطةِ عندهم لمن دونهم من طبقاتِ الناس، الذين لا تكونُ لهم هذه الصلةُ والقرابةُ بأولئك الرؤساءِ والملوك.
وكذلك كانت هذه عقيدةَ كلِّ الوثنيينَ الأوَّلين والآخرين؛ فقد سجَّل الله في كتابه ذلك الاستنكار منهم/ استنكارَهم أن يبعثَ الله بشرًا مثلهم رسولًا.
وعلى ذلك، فلا تكون عقيدةُ البنوَّة مقصورة على اليهودِ والنصارى، ولا على عيسى وعُزَير، بلى هي عامَّة عند كلِّ وثني يَعتَقِد أن نورًا أو رُوحًا فاض من اللهِ أو انفصَل عنه، فحلَّ في معبودِيهم ومقدَّسِيهم، إذًا الولديةُ والوالديةُ، والأبوَّة والبنوَّة التي يُنَزِّه الله نفسَه العليَّة عنها، كما يدلُّ القرآن بنصوصِه الواضحةِ - ليست ولديةَ وبنوَّة البشرِ، إنما هي توالدُ هؤلاءِ المقدَّسِين، وانفصالُهم بهذا الفيضِ من الربِّ سبحانه وتعالى عما يقول الظالمون علوًّا كبيرًا.