وهنا نرى مدى حرص الفاروق رضي الله عنه على مصلحة الأجيال القادمة. فالملكية العامة لا تتوقف عند جيل بعينه، ولا تقف عند المرافق العامة فحسب، بل تتخطى ذلك إلى كل ما هو مملوك للناس في أرضها وبحارها وأجوائها وآبارها ومناجمها الخ.
فعلى كل جيل أن يحافظ على ثروات البلاد التي تحت يديه ولا يبددها بل يعمل على المحافظة عليها وحسن استثمارها وتهيئتها للأجيال القادمة قابلة للنماء، وهذا معنى التكافل بين الأجيال بعضها البعض.
-بعد هذا الاستعراض للآيات الكريمات نجد أن الله تعالى لم يترك في النفس السَّوية تساؤلًا إلا أورد له الإجابة الشافية التي معها تستقيم الأنفس وتكون الأمور في نصابها وفي مسارها الصحيح، فلا شح ولا إسراف، ولا تبديد ولا تبديل،"وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللّهِ حُكْمًا لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ"؟"وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللّهِ قِيلًا"؟
-ثالثًا: منظومة التكافل في السنة النبوية المطهرة: كما وضح القرآن الكريم التكافل وبيَّنه بيانًا لا لبس فيه ولا غموض نجد أن السيرة النبوية هي الأخرى قد قدمت في هذا الجانب نماذجًا لولا أنها صحيحة ورواها ثقات ما تخيل عقل أن هذه المواقف من صنيع البشر لما فيها من التجرد والتعالي عن حظ النفس والترفع عن حطام الدنيا وسفاسف الأمور ولنا فيما فعله الأنصار مع المهاجرين المثل والأسوة الحسنة.
1 -عن النعمان بن بشير رضي الله عنه قال، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"مَثلُ المؤمنين في توادِّهم وتراحُمِهم وتعاطُفِهم، مَثلُ الجسدِ إذا اشتكَى منه عضوٌ، تداعَى له سائرُ الجسدِ بالسَّهرِ والحُمَّى" (رواه مسلم) .
2 -عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"المؤمنُ للمؤمنِ كالبنيانِ، يشدُّ بعضُه بعضًا. وشبّك بين أصابعِه" (رواه البخاري) .
3 -عبدالله بن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"المسلمُ أخو المسلمِ، لا يظلِمُه ولا يُسلِمُه. من كان في حاجةِ أخيه، كان اللهُ في حاجتِه. ومن فرَّج عن مسلمٍ كُرْبةً، فرَّج اللهُ عنه بها كُرْبةً من كُرَبِ يومِ القيامةِ. ومن ستر مسلمًا، ستره اللهُ يومَ القيامةِ" (رواه مسلم) .
4 -عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"من نفَّسَ عن مسلمٍ كُربةً مِن كُربِ الدُّنيا نفَّسَ اللَّهُ عنهُ كربةً مِن كُرَبِ يومِ القيامةِ، ومن يسَّرَ على مُعسرٍ في الدُّنيا يسَّرَ اللَّهُ عليهِ في الدُّنيا والآخرةِ، ومن سَترَ على مُسلمٍ في الدُّنيا سترَ اللَّهُ علَيهِ في الدُّنيا والآخرةِ، واللَّهُ في عونِ العَبدِ، ما كانَ العَبدُ في عونِ أخيهِ" (رواه الترمذي) .
5 -عن عبد الله بن أبي قتادة، أن أبا قتادة طلب غريمًا له فتوارى عنه، ثم وجده. فقال: إني معسر، فقال: آلله؟، قال: آلله؟، قال: فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:"من سَرَّه أن يُنجِيَهُ الله من كربِ يوم القيامة فلينفس عن معسر أو يضع عنه" (رواه مسلم) .
6 -عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: بينما نحن في سفرٍ مع النبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، إذ جاء رجلٌ على راحلةٍ له. قال: فجعل يصرف بصرَه يمينًا وشمالًا. فقال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم:"من كان معه فضلُ ظهرٍ فليَعُدْ به على من لا ظهرَ له. ومن كان له فضلٌ من زادٍ فليَعُدْ به على من لا زاد له". قال:"فذكر من أصنافِ المالِ ما ذكر، حتى رأينا أنه لا حقَّ لأحدٍ منَّا في فضلٍ" (رواه مسلم) .